تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1057

مساهمون:

ص١٠٥٧
قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) ،
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
الآية ،
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
الآية . وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكارم الأخلاق ، والآيات الحاثّات على كلّ خلق جميل ، فكان له منها ، أكملها وأجلّها ، وهو في كلّ خصلة منها ، في الذروة العليا . فكان سهلا لينا ، قريبا من الناس ، مجيبا لدعوة من دعاه ، قاضيا لحاجة من استقضاه ، جابرا لقلب من سأله ، لا يحرمه ، ولا يرده خائبا . وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه ، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور ، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم ، بل يشاورهم ويؤامرهم . وكان يقبل من محسنهم ، ويعفو عن مسيئهم ، ولم يكن يعاشر جليسا ، إلا أتم عشرة وأحسنها . فكان لا يعبس في وجهه ، ولا يغلظ عليه في مقاله ، ولا يطوي عنه بشره ، ولا يمسك عليه فلتات لسانه ، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ، بل يحسن إليه غاية الإحسان ويحتمله غاية الاحتمال . فلما أنزل اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في أعلى المنازل ، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون ، قال : [ 5 - 6 ]
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
( 6 ) ، وقد تبين أنه أهدى الناس ، وأكملهم لنفسه ولغيره . وأن أعداءه أضل الناس ، وشر الناس للناس ، وأنهم الّذين فتنوا عباد اللّه ، وأضلوهم عن سبيله ، وكفى بعلم اللّه بذلك ، فإنه المحاسب المجازي . [ 7 ]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 7 ) ، وهذا فيه تهديد للضالين ، ووعد للمهتدين ، وبيان لحكمة اللّه ، حيث كان يهدي من يصلح للهداية دون غيره . [ 8 ] يقول اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
( 8 ) الّذين كذبوك ، وعاندوا الحقّ ، فإنهم ليسوا أهلا لأن يطاعوا ، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم ، وهم لا يريدون إلا الباطل ، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره ، وهذا عام في كلّ مكذب ، وفي كلّ طاعة ناشئة عن التكذيب ، وإن كان السياق في شيء خاص ، وهو أن المشركين طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم ، ويسكتوا عنه ، ولهذا قال : [ 9 ]
وَدُّوا
، أي : المشركون
لَوْ تُدْهِنُ
، أي : توافقهم على بعض ما هم عليه ، إما بالقول ، أو الفعل ، أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه .
فَيُدْهِنُونَ
، ولكن اصدع بأمر اللّه ، وأظهر دين الإسلام ، فإن تمام إظهاره ، نقض ما يضاده ، وعيب ما يناقضه . [ 10 ]
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
، أي : كثير الحلف ، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب . ولا يكون كذابا ، إلا وهو
مَهِينٍ
، أي : خسيس النفس ، ناقص الحكمة ، ليس له رغبة في الخير ، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة . [ 11 ]
هَمَّازٍ
أي : كثير العيب للناس والطعن فيهم ، بالغيبة والاستهزاء ، وغير ذلك .
مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
، أي : يمشي بين الناس بالنميمة ، وهو : نقل كلام بعض الناس لبعض ، لقصد الإفساد بينهم ، وإيقاع العداوة والبغضاء . [ 12 - 13 ]
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
الذي يلزمه القيام به من النفقات الواجبة والكفارات والزكوات وغير ذلك ،
مُعْتَدٍ
على الخلق يظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم
أَثِيمٍ
، أي : كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق