تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1056

مساهمون:

ص١٠٥٦
عند أحد من الخلق ، ولا ملازمة بين هذا الخبر ، وبين الإخبار بوقته ، فإن الصدق يعرف بأدلته . وقد أقام اللّه من الأدلة والبراهين على صحته ، ما لا يبقى معه أدنى شك ، لمن ألقى السمع وهو شهيد . [ 27 ] يعني أن محل تكذيب الكفار وغرورهم به حين كانوا في الدنيا ، فإذا كان يوم الجزاء ، ورأوا العذاب منهم
زُلْفَةً
، أي : قريبا ، ساءهم ذلك ، وأفظعهم ، وأقلقهم ، فتغيرت لذلك وجوههم ، ووبخوا على تكذيبهم ، وقيل :
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ
. فاليوم رأيتموه عيانا ، وانجلى لكم الأمر ، وتقطعت بكم الأسباب ، ولم يبق إلا مباشرة العذاب . [ 28 ] ولما كان المكذبون للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، الّذين يردون دعوته ، ينتظرون هلاكه ، ويتربصون به ريب المنون ، أمره اللّه أن يقول لهم : إنكم إن حصلت لكم أمنيتكم ، وأهلكني اللّه ومن معي ، فليس ذلك بنافع لكم شيئا ، لأنكم كفرتم بآيات اللّه ، واستحققتم العذاب ، فمن يجيركم من عذاب أليم قد تحتّم وقوعه بكم ؟ فإذا ، تعبكم وحرصكم على هلاكي ، غير مفيد ولا مجد لكم شيئا . ومن قولهم : إنهم على هدى ، والرسول على الضلال ، أعادوا في ذلك وأبدوا ، وجادلوا عليه وقاتلوا . [ 29 ] فأمر اللّه نبيه أن يخبر عن حاله ، وحال أتباعه ، ما به يتبين لكل أحد هداهم وتقواهم ، وهو أن يقولوا :
هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
، والإيمان يشمل التصديق الباطن ، والأعمال الباطنة والظاهرة . ولما كانت الأعمال ، وجودها وكمالها ، متوقفان على التوكل ، خص اللّه التوكل من سائر الأعمال ، وإلا فهو داخل في الإيمان ، ومن جملة لوازمه كما قال تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
. فإذا كانت هذه حال الرسول ، وحال من اتبعه ، وهي الحال الّتي تتعين للفلاح ، وتتوقف عليها السعادة ، وحالة أعدائه بضدها ، فلا إيمان لهم ولا توكل ، علم بذلك ، من هو على هدى ، ومن هو في ضلال مبين . ثمّ أخبر عن انفراده بالنعم ، خصوصا الماء الذي جعل اللّه منه كلّ شيء حيّ ، فقال : [ 30 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
، أي : غائرا
فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
تشربون منه ، وتسقون أنعامكم ، وأشجاركم ، وزروعكم ؟ وهذا استفهام بمعنى النفي ، أي : لا يقدر أحد على ذلك ، غير اللّه تعالى . تم تفسير سورة الملك - والحمد للّه .

تفسير سورة القلم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] يقسم تعالى بالقلم ، وهو اسم جنس شامل للأقلام ، الّتي تكتب بها أنواع العلوم ، ويسطر بها المنثور والمنظوم . [ 2 ] وذلك أن القلم ، وما يسطر به من أنواع الكلام ، من آياته العظيمة ، الّتي تستحق أن يقسم بها ، على براءة نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون ، فنفى عنه ذلك بنعمة ربه عليه ، وإحسانه ، حيث منّ عليه بالعقل الكامل ، والرأي الجزل ، والكلام الفصل ، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام ، وسطره الأنام ، وهذا هو السعادة في الدنيا . [ 3 ] ثمّ ذكر سعادته في الآخرة ، فقال :
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
( 3 ) ، أي : لأجرا عظيما ، كما يفيده التنكير ، غير مقطوع ، بل هو دائم مستمر . وذلك لما أسلفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأعمال الصالحة ، والأخلاق الكاملة ، والهداية إلى كلّ خير . [ 4 ] ولهذا قال :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) ، أي : عليّ به ، مستعل بخلقك الذي منّ اللّه عليك به . وحاصل خلقه العظيم ، ما فسرته به أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها لمن سألها عنه ، فقالت : « كان خلقه القرآن » ، وذلك نحو