تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1054

مساهمون:

ص١٠٥٤
رسول اللّه علما ومعرفة وعملا . والأدلة العقلية : المعرفة للهدى من الضلال ، والحسن من القبيح ، والخير من الشر . وهم - في الإيمان - بحسب ما منّ اللّه عليهم به ، من الاقتداء بالمعقول والمنقول ، فسبحان من يختص بفضله من يشاء ، ويمن على من يشاء من عباده ، ويخذل من لا يصلح للخير . قال تعالى عن هؤلاء الداخلين للنار ، المعترفين بظلمهم وعنادهم : [ 11 ]
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
( 11 ) ، أي : بعدا لهم وخسارة وشقاء . فما أشقاهم وأرداهم ، حيث فاتهم ثواب اللّه ، وكانوا ملازمين للسعير ، الّتي تستعر في أبدانهم ، وتطلع على أفئدتهم ! ! [ 12 ] لما ذكر حالة الأشقياء الفجار ، ذكر وصف الأبرار السعداء ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
، أي : في جميع أحوالهم ، حتى في الحالة الّتي لا يطلع عليهم فيها إلا اللّه ، فلا يقدمون على معاصيه ، ولا يقصرون عما أمرهم به .
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم ، وإذا غفر اللّه ذنوبهم ، وقاهم شرها ، ووقاهم عذاب الجحيم .
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
هو ما أعده لهم في الجنة ، من النعيم المقيم ، والملك الكبير ، واللذات المتواصلات ، والقصور والمنازل العاليات ، والحور الحسان ، والخدم ، والولدان . وأعظم من ذلك وأكبر رضا الرحمن الذي يحله على ساكني الجنان . [ 13 ] هذا إخبار من اللّه بسعة علمه ، وشمول لطفه ، فقال :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ
، أي : كلاهما سواء لديه ، لا يخفى عليه منهما خافية .
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
، أي : بما فيها من النيات ، والإرادات ، فكيف بالأقوال والأفعال ، الّتي تسمع وترى ؟ [ 14 ] ثمّ قال - مستدلا بدليل عقلي على علمه - :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
، فمن خلق الخلق وأتقنه ، وأحسنه ، كيف لا يعلمه ؟
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
الذي لطف علمه وخبره ، حتى أدرك السرائر والضمائر ، والخبايا والخفايا ، والغيوب
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
. ومن معاني اللطيف ، أنه الذي يلطف بعبده ووليه ، فيسوق إليه البر والإحسان ، من حيث لا يشعر ، ويعصمه من الشر ، من حيث لا يحتسب ، ويرقيه إلى أعلى المراتب ، بأسباب لا تكون من العبد على بال ، حتى إنه يذيقه المكاره ، ليوصله بها ، إلى المحاب الجليلة ، والمطالب النبيلة . [ 15 ] أي : هو الذي سخر لكم الأرض ، وذللها ، لتدركوا منها كلّ ما تعلقت به حاجتكم ، من غرس وبناء ، وحرث ، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية ، والبلدان الشاسعة .
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
، أي : لطلب الرزق والمكاسب .
وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
، أي : بعد أن تنتقلوا من هذه الدار الّتي جعلها اللّه امتحانا ، وبلغة يتبلغ بها إلى الدار الآخرة ، تبعثون بعد موتكم ، وتحشرون إلى اللّه ، ليجازيكم بأعمالكم الحسنة والسيئة . [ 16 ] هذا تهديد ووعيد ، لمن استمر في طغيانه وتعدّيه ، وعصيانه الموجب للنكال ، وحلول العقوبة ، فقال :
أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ
وهو اللّه تعالى ، العالي على خلقه .
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ
بكم وتضطرب ، حتى تهلكوا وتتلفوا . [ 17 ]
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً
، أي : عذابا من السماء ، يحصبكم ، وينتقم اللّه منكم
فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
، أي : كيف يأتيكم ما أنذرتكم به الرسل والكتب . فلا تحسبوا أن أمنكم من أن يعاقبكم