تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1053

مساهمون:

ص١٠٥٣
الحسن والإتقان
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
، أي : خلل ونقص . وإذا انتفى النقص من كلّ وجه ، وصارت حسنة كاملة ، متناسبة من كلّ وجه ، في لونها وهيئتها ، وارتفاعها ، وما فيها من الشمس ، والكواكب النيرات ، الثوابت منهن والسيارات . ولما كان كمالها معلوما ، أمر اللّه تعالى بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها ، فقال :
فَارْجِعِ الْبَصَرَ
، أي : أعده إليها ، ناظرا معتبرا
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
، أي : نقص واختلال . [ 4 ]
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
المراد بذلك : كثرة التكرار
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
، أي : عاجزا عن أن يرى خللا أو فطورا ، ولو حرص غاية الحرص . [ 5 ] ثمّ صرح بذكر حسنها ، فقال :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ
، إلى :
لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
.
وَلَقَدْ زَيَّنَّا
، أي : ولقد جمّلنا
السَّماءَ الدُّنْيا
الّتي ترونها وتليكم .
بِمَصابِيحَ
وهي النجوم ، على اختلافها في النور والضياء ، فإنه لولا ما فيها من النجوم ، لكانت سقفا مظلما ، لا حسن فيه ولا جمال . ولكن جعل اللّه هذه النجوم زينة للسماء ، وجمالا ونورا ، وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر . ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح ، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع ، فإن السماوات شفافة ، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا ، وإن لم تكن الكواكب فيها .
وَجَعَلْناها
، أي : المصابيح
رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
الّذين يريدون استراق خبر السماء . فجعل اللّه هذه النجوم ، حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبارها ، إلى الأرض ، فهذه الشهب ، الّتي ترمى من النجوم ، أعدها اللّه في الدنيا للشياطين .
وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ
لأنهم تمردوا على اللّه ، وأضلوا عباده ، ولهذا كان أتباعهم من الكفار مثلهم ، قد أعد اللّه لهم عذاب السعير ، فلهذا قال : [ 6 ]
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 6 ) الّتي يهان أهلها ، غاية الهوان . [ 7 ]
إِذا أُلْقُوا فِيها
على وجه الإهانة والذل
سَمِعُوا لَها شَهِيقاً
، أي : صوتا عاليا فظيعا
وَهِيَ تَفُورُ
. [ 8 ]
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
، أي : تكاد على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضا ، وتتقطع من شدة غيظها على الكفار ، فما ظنك ما تفعل بهم ، إذا حصلوا فيها ؟ ثمّ ذكر توبيخ الخزنة لأهلها ، فقال :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
؟ أي : حالكم هذه واستحقاقكم النار ، كأنكم لم تخبروا عنها ، ولم تحذركم النذر منها . [ 9 ]
قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ
( 9 ) ، فجمعوا بين تكذيبهم الحاضر ، والتكذيب العام بكل ما أنزل اللّه . ولم يكفهم ذلك ، حتى أعلنوا بضلال الرسل المنذرين وهم الهداة المهتدون ، ولم يكتفوا بمجرد الضلال ، بل جعلوا ضلالهم ضلالا كبيرا ، فأي عناد وتكبّر وظلم يشبه هذا ؟ [ 10 ]
وَقالُوا
معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى ، وهي السمع لما أنزل اللّه ، وجاءت به الرسل ، والعقل الذي ينفع صاحبه ، ويوقفه على حقائق الأشياء ، وإيثار الخير ، والانزجار عن كلّ ما عاقبته ذميمة ، فلا سمع لهم ولا عقل . وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان ، وأرباب الصدق والإيمان ، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية ، فسمعوا ما جاء من عند اللّه ، وجاء به