حرمها على نفسه ، بعد الصحبة الطويلة ، والأولاد ، وكان هو رجلا شيخا كبيرا . فشكت حالها وحاله إلى اللّه ، وإلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكررت ذلك ، وأبدت فيه وأعادت . فقال تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
، أي : تخاطبكما فيما بينكما .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لجميع الأصوات ، في جميع الأوقات ، على تفنن الحاجات .
بَصِيرٌ
يبصر دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء . وهذا إخبار عن كمال سمعه وبصره ، وإحاطتهما بالأمور الدقيقة والجليلة ، وفي ضمن ذلك الإشارة بأن اللّه سيزيل شكواها وبلواها ، ولهذا ذكر حكمها ، وحكم غيرها على وجه العموم ، فقال :
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ
. المظاهرة من الزوجة : أن يقول الرجل لزوجته : « أنت عليّ كظهر أمي » ، أو غيرها من محارمه ، أو :
« أنت عليّ حرام » ، وكان المعتاد عندهم في هذا اللفظ « الظهر » ولهذا سماه اللّه « ظهارا » فقال :
[ 2 ]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
، أي : كيف يتكلمون بهذا الكلام ، الذي يعلمون أنه لا حقيقة له ، فيشبهون أزواجهم بأمهاتهم اللاتي ولدنهم ؟ ولهذا عظم اللّه أمره ، وقبحه ، فقال :
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
، أي : قولا شنيعا ، وكذبا .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
عمن صدر منه بعض المخالفات ، فتداركها بالتوبة النصوح .
[ 3 ]
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
، اختلف العلماء في معنى العود ، فقيل : معناه العزم على جماع من ظاهر منها ، وأنه بمجرد عزمه ، تجب عليه الكفارة المذكورة ، ويدل على هذا أن اللّه تعالى ذكر في الكفارة ، أنها تكون قبل المسيس ، وذلك إنّما يكون بمجرد العزم ، وقيل : معناه حقيقة الوطء ، ويدل عليه أن اللّه قال :
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
، والذي قالوا إنّما هو الوطء . وعلى كلّ من القولين ( ف ) إذا وجد العود ، صار كفارة هذا التحريم تحرير
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
كما قيدت في آية القتل ، ذكر أو أنثى ، بشرط أن تكون سالمة من العيوب الضارة بالعمل .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
، أي : يلزم الزوج أن يترك وطء زوجته الّتي ظاهر منها ، حتى يكفر برقبة .
ذلِكُمْ
الحكم الذي ذكرناه لكم ،
تُوعَظُونَ بِهِ
، أي : يبين لكم حكمه مع الترهيب المقرون به ، لأن معنى الوعظ ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب ، فالذي يريد أن يظاهر ، إذا ذكر أن عليه عتق رقبة ، كف نفسه عنه .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فيجازي كلّ عامل بعمله .
[ 4 ]
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
رقبة يعتقها ، بأن لم يجدها ، أو لم يجد ثمنها ( ف ) عليه صيام
شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
الصيام
فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
. إما أن يطعمهم من قوت بلده ما يكفيهم ، كما هو قول كثير من المفسرين . وإما أن يطعم كلّ مسكين مدّ برّ أو نصف صاع من غيره مما يجزي في الفطر كما هو قول طائفة أخرى .
ذلِكَ
الحكم الذي بيناه لكم ، ووضحناه
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وذلك بالتزام هذا الحكم وغيره من الأحكام والعمل به . فإن التزام أحكام اللّه ، والعمل بها من الإيمان ، بل هي المقصودة ، ويزداد بها الإيمان ، ويكمل