تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1018

مساهمون:

ص١٠١٨
وينمو .
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
الّتي تمنع من الوقوع فيها ، فيجب أن لا تتعدى ولا يقصر عنها .
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
وفي هذه الآيات عدة أحكام : منها : لطف اللّه بعباده ، واعتناؤه بهم ، حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة ، وأزالها ، ورفع عنها البلوى ، بل رفع البلوى بحكمه العام ، عن كلّ من ابتلي بمثل هذه القضية . ومنها : أن الظهار مختص بتحريم الزوجة ، لأن اللّه قال :
مِنْ نِسائِهِمْ
. فلو حرم أمته ، لم يكن ظهارا بل هو من جنس تحريم الطيبات ، كالطعام والشراب ، تجب فيه كفارة اليمين فقط . ومنها : أن لا يصلح الظهار من امرأة قبل أن يتزوجها ، لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار ، كما لا يصح طلاقها ، سواء نجّز ذلك ، أو علّقه . ومنها : أن الظهار محرم ، لأن اللّه سماه
مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
. ومنها : تنبيه اللّه على الحكم وحكمته ، لأن اللّه قال :
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
. ومنها : أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته ويدعوها باسم محارمه ، كقوله : « يا أمي » ، « يا أختي » ونحو ذلك ، لأن ذلك يشبه المحرم . ومنها : أن الكفارة إنّما تجب بالعود لما قال المظاهر ، على اختلاف القولين السابقين ، لا بمجرد الظهار . ومنها : أنه يجزئ في كفارة الرقبة ، الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، لإطلاق الآية في ذلك . ومنها : أنه يجب إخراجها إذا كانت عتقا أو صياما ، قبل المسيس ، كما قيده اللّه . بخلاف كفارة الإطعام ، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها . منها : أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس ، أن ذلك أدعى لإخراجها ، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع ، وعلم أنه لا يمكّن من ذلك إلا بعد الكفارة ، بادر إلى إخراجها . ومنها : أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا ، فلو جمع طعام ستين مسكينا ، ودفعه لواحد أو أكثر من ذلك ، دون الستين لم يجز ، لأن اللّه قال :
فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
. [ 5 ] محادة اللّه ورسوله : مخالفتهما ومعصيتهما خصوصا في الأمور الفظيعة ، كمحادة اللّه ورسوله بالكفر ، معاداة أولياء اللّه . وقوله :
كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، أي : أذلوا وأهينوا ، كما فعل بمن قبلهم ، جزاء وفاقا . ليس لهم حجة على اللّه ، فإن اللّه قد قامت حجته البالغة على الخلق ، وقد أنزل من الآيات البينات ، والبراهين ما عين الحقائق ، ويوضح المقاصد ، فمن اتبعها وعمل عليها ، فهو من المهتدين الفائزين .
وَلِلْكافِرِينَ
بها
عَذابٌ مُهِينٌ
أي : يهينهم ويذلهم . فكما تكبروا عن آيات اللّه ، أهانهم اللّه وأذلهم . [ 6 ] يقول اللّه تعالى :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
، أي : يوم يبعث اللّه الخلق
جَمِيعاً
فيقومون من أجداثهم سريعا
فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا
من خير وشر ، لأنه علم ذلك ، و
أَحْصاهُ اللَّهُ
، أي : كتبه في اللوح المحفوظ ، وأمر ملائكة الكرام الحفظة بكتابته . هذا
وَ
العاملون قد
نَسُوهُ
، أي : نسوا ما عملوه واللّه أحصى ذلك .
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
على الظواهر والسرائر ، والخبايا والخفايا ، ولهذا أخبر عن سعة علمه وإحاطته بما في السماوات والأرض من دقيق وجليل . [ 7 ] وأنه
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا
، والمراد بهذه المعية : معية العلم والإحاطة ، بما تناجوا به وأسروه فيما بينهم ، ولهذا قال :
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
.
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1018 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي