تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1010

مساهمون:

ص١٠١٠
فمجازيكم عليها ، وحافظها عليكم . [ 5 ]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ملكا ، وخلقا ، وعبيدا ، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية ، الجارية على الحكمة الربانية .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
من الأعمال والعمال ، فيعرض عليه العباد ، فيميز الخبيث من الطيب ، ويجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . [ 6 ]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
، أي : يدخل الليل على النهار ، فيغشيهم الليل بظلامه ، فيسكنون ويهدءون . ثمّ يدخل النهار على الليل ، فيزول ما على الأرض من الظلام ، ويضيء الكون ، فيتحرك العباد ويقومون إلى مصالحهم ومعايشهم . ولا يزال اللّه يكور الليل على النهار ، والنهار على الليل ، ويداول بينهما ، في الزيادة والنقص ، والطول والقصر ، حتى تقوم بذلك الفصول ، وتستقيم الأزمنة ، ويحصل من المصالح بذلك ما يحصل . فتبارك اللّه رب العالمين ، وتعالى الكريم الجواد ، الذي أنعم على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة .
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
، أي : بما يكون في صدور العالمين . فيوفق من يعلم أنه أهل لذلك ، ويخذل من يعلم أنه لا يصلح لهدايته . [ 7 ] يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله ، وبما جاء به ، وبالنفقة في سبيله ، من الأموال الّتي جعلها اللّه في أيديهم ، واستخلفهم عليها ، لينظر كيف يعملون . ثمّ لما أمرهم بذلك ، رغّبهم وحثّهم عليه بذكر ما رتب عليه من الثواب ، فقال :
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ
، أي : الّذين جمعوا بين الإيمان باللّه ورسوله ، والنفقة في سبيله ، لهم أجر كبير ، وأعظمه وأجلّه رضا ربهم ، والفوز بدار كرامته ، وما فيها من النعيم المقيم ، الذي أعده اللّه للمؤمنين والمجاهدين . [ 8 ] ثمّ ذكر السبب الداعي لهم إلى الإيمان ، وعدم المانع منه ، فقال :
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
( 8 ) ، أي : وما الذي يمنعكم من الإيمان ، والحال أن الرسول محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الرسل وأكرم داع دعا إلى اللّه يدعوكم . فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته ، والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به ، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق بالإيمان ، إن كنتم مؤمنين . [ 9 ] ومع ذلك ، من لطفه وعنايته بكم ، أنه لم يكتف بمجرد دعوة الرسول الذي هو أشرف العالم ، بل أيده بالمعجزات ، ودلّكم على صدق ما جاء به بالآيات البينات . فلهذا قال :
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ
، أي : ظاهرات تدل أهل العقول على صحة جميع ما جاء به ، وأنه هو الحقّ اليقين .
لِيُخْرِجَكُمْ
بإرسال الرسول إليكم ، وما أنزله اللّه على يده من الكتاب والحكمة .
مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
، أي : من ظلمات الجهل والكفر ، إلى نور العلم والإيمان . وهذا من رحمته بكم ورأفته ، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
. [ 10 ]
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل اللّه ، وهي طرق الخير كلها ، ويوجب لكم أن تبخلوا .
وَ
الحال أنه ليس لكم شيء ، بل
لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، فجميع الأموال ، ستنقل من أيديكم ، أو تنقلون عنها ، ثمّ يعود الملك إلى مالكه ، تبارك وتعالى . فاغتنموا الإنفاق ، ما دامت الأموال في أيديكم ، وانتهزوا الفرصة . ثمّ ذكر تعالى ، تفاضل الأعمال بحسب الأحوال والحكمة الإلهية ،