تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1009

مساهمون:

ص١٠٠٩
تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 ) . وقد فسر قوله تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
أن هذه البشارة المذكورة ، هي البشرى في الحياة الدنيا . [ 90 ] وقوله :
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ
( 90 ) ، وهم الّذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات ، وإن حصل منهم بعض التقصير في بعض الحقوق ، الّتي لا تخل بإيمانهم وتوحيدهم ، فيقال لأحدهم : سلام
لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ
( 91 ) ، أي : سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين ، أي : يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم ، ولقائهم له ، أو يقال له : سلام لك من الآفات والبليات والعذاب ، لأنك من أصحاب اليمين ، الّذين سلموا من الموبقات . [ 92 ]
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ
( 92 ) ، أي : الّذين كذبوا بالحق ، وضلوا عن الهدى . [ 93 - 94 ]
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
( 94 ) ، أي : ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم ، الّتي تحيط بهم ، وتصل إلى أفئدتهم . وإذا استغاثوا من شدة العطش والظمأ
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
. [ 95 ]
إِنَّ هذا
الذي ذكره اللّه تعالى ، من جزاء العباد بأعمالهم ، خيرها وشرها ، وتفاصيل ذلك
لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ
، أي : الذي لا شك فيه ولا مرية . بل هو الحقّ الثابت ، الذي لا بد من وقوعه . وقد أشهد اللّه عباده ، الأدلة القواطع على ذلك ، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ذائقون له ، مشاهدون لحقيقته ، فحمدوا اللّه تعالى على ما خصهم من هذه النعمة العظيمة ، والمنحة الجسيمة . ولهذا قال تعالى : [ 96 ]
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
( 96 ) فسبحان ربنا العظيم ، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . والحمد للّه رب العالمين ، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه . تم تفسير سورة الواقعة .

تفسير سورة الحديد

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] يخبر تعالى عن عظمته وجلاله ، وسعة سلطانه أن جميع ما في السماوات والأرض ، من الحيوانات الناطقة وغيرها ، والجوامد ، تسبّح بحمد ربها ، وتنزهه عما لا يليق بجلاله . وأنها قانتة لربها ، منقادة لعزته ، قد ظهرت فيها آثار حكمته ، ولهذا قال :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
، فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها ، في جميع أحوالها ، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها ، وعموم حكمته في خلقه وأمره . [ 2 ] ثمّ أخبر عن عموم ملكه ، فقال :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ
. أي : هو الخالق للمخلوقات ، الرازق المدبر لها ، بقدرته
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. [ 3 ]
هُوَ الْأَوَّلُ
الذي ليس قبله شيء ،
وَالْآخِرُ
الذي ليس بعده شيء .
وَالظَّاهِرُ
الذي ليس فوقه شيء ،
وَالْباطِنُ
الذي ليس دونه شيء .
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن ، والسرائر والخفايا ، والأمور المتقدمة والمتأخرة . [ 4 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
استواء يليق بجلاله ، فوق جميع خلقه .
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ
من حب وحيوان ، ومطر ، وغير ذلك .
وَما يَخْرُجُ مِنْها
من نبت وشجر ، وحيوان ، وغير ذلك .
وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ
من الملائكة والأقدار والأرزاق .
وَما يَعْرُجُ فِيها
من الملائكة والأرواح ، والأدعية والأعمال ، وغير ذلك .
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
، كقوله :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا
. وهذه المعية ، معية العلم والاطلاع ، ولهذا توعد ووعد بالمجازاة بالأعمال بقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي : هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال ، وما صدرت عنه تلك الأعمال ، من بر وفجور ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1009 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي