تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1013

مساهمون:

ص١٠١٣
القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح . فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة . فالذين جمعوا هذه الأمور
هُمُ الصِّدِّيقُونَ
، أي : الّذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين ، ودون مرتبة الأنبياء . وقوله :
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
كما ورد في الحديث الصحيح : « إن في الجنة مائة درجة ، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض ، أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله » . وهذا يقتضي شدة علوها ورفعتهم ، وقربهم من اللّه تعالى .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق : المتصدقين ، والصديقين والشهداء ، وأصحاب الجحيم . فالمتصدقون هم الّذين جلّ عملهم الإحسان إلى الخلق ، وبذل النفع لهم بغاية ما يمكنهم خصوصا بالنفع بالمال في سبيل اللّه . والصديقون هم الّذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح ، والعلم النافع ، واليقين الصادق . والشهداء هم الّذين قاتلوا في سبيل اللّه ، لإعلاء كلمة اللّه ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم فقتلوا . وأصحاب الجحيم هم الكفار الّذين كذبوا بآيات اللّه . وبقي قسم ذكرهم اللّه في سورة فاطر ، وهم المقتصدون الّذين أدوا الواجبات ، وتركوا المحرمات ، إلا أنهم حصل منهم بعض التقصير بحقوق اللّه وحقوق عباده ، فهؤلاء مآلهم الجنة ، وإن حصل لبعضهم عقوبة ببعض ما فعل . [ 20 ] يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا ، وما هي عليه ، ويبين غايتها ، وغاية أهلها ، بأنها
لَعِبٌ وَلَهْوٌ
تلعب بها الأبدان ، وتلهو بها القلوب ، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا ، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات عمرهم بلهو قلوبهم ، وغفلتهم عن ذكر اللّه ، وعما أمامهم من الوعد والوعيد ، تراهم قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . بخلاف أهل اليقظة وعمّال الآخرة ، فإن قلوبهم معمورة بذكر اللّه ، ومعرفته ومحبته ، وقد شغلوا أوقاتهم بالأعمال الّتي تقربهم إلى اللّه ، من النفع القاصر والمتعدي . وقوله :
وَزِينَةٌ
، أي : تزيّن في اللباس والطعام ، والشراب والمراكب ، والدور والقصور ، والجاه وغير ذلك .
وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ
، أي : كل واحد من أهلها ، يريد مفاخرة الآخر ، وأن يكون هو الغالب في أمورها ، والذي له الشهرة في أحوالها .
وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
، أي : كلّ يريد أن يكون هو الكاثر لغيره ، في المال والولد ، وهذا مصداقه ، وقوعه من محبّي الدنيا ، والمطمئنين إليها . بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها ، فجعلها معبرا ، ولم يجعلها مستقرا ، فنافس فيما يقربه إلى اللّه ، واتخذ الوسائل الّتي توصله إلى دار كرامته ، وإذا رأى من يكاثره ، وينافسه في الأموال والأولاد ، نافسه بالأعمال الصالحة . ثمّ ضرب للدنيا مثلا ، بغيث نزل على الأرض ، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ، وأعجب نباته الكفار ، الّذين قصروا نظرهم وهممهم على الدنيا ، جاءها من أمر اللّه ، ما أتلفها ، فهاجت ويبست ، وعادت إلى حالها الأولى ، كأنه لم ينبت فيها خضراء ، ولا رؤي لها مرأى أنيق . كذلك الدنيا ، بينما هي زاهية لصاحبها ، زاهرة ، مهما أراد من مطالبها حصل ، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة ، إذا أصابها القدر فأذهبها من يده ، وأزال تسلطه عليها ، أو ذهب به عنها ، فرحل منها صفر اليدين ، ولم يتزود منها سوى الكفن ، فتبّا