تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1008

مساهمون:

ص١٠٠٨
الّذين طهرهم اللّه تعالى من الآفات ، والذنوب ، والعيوب . وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون ، وأن أهل الخبث والشياطين ، لا استطاعة لهم ، ولا يدان إلى مسه ، دلت الآية - تنبيها - على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر . [ 80 ]
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 80 ) ، أي : إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة ، هو تنزيل رب العالمين ، الذي يربي عباده ، بنعمه الدينية والدنيوية . وأجل تربية ربى بها عباده ، إنزاله هذا القرآن ، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين ، ورحم اللّه به العباد رحمة ، لا يقدرون لها شكورا . [ 81 ] ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ، ويدعوا إليه ويصدعوا به ، ولهذا قال :
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
( 81 ) ، أي : أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم
أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
، أي : تختفون ، وتدلون خوفا من الخلق وعارهم وألسنتهم ؟ هذا لا ينبغي ولا يليق ، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه . وأما القرآن الكريم فهو الحقّ الذي لا يغالب به مغالب ، إلا غلب ، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره ، وهو الذي لا يداهن به ويختفى ، بل يصدع به ويعلن . [ 82 ] وقوله :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) ، أي : تجعلون مقابلة منة اللّه عليكم بالرزق بالتكذيب والكفر لنعمة اللّه ، فتقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها . فهلا شكرتم اللّه على إحسانه ، إذ أنزله إليكم ، ليزيدكم من فضله ، فإن التكذيب والكفر ، داع لرفع النعم ، وحلول النقم . [ 83 - 85 ]
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
( 85 ) ، أي : فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم ، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة . والحال أنا نحن أقرب إليه منكم ، بعلمنا وملائكتنا ، ولكن لا تبصرون . [ 86 ]
فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
( 86 ) ، أي : فهلا إذ كنتم تزعمون ، أنكم غير مبعوثين ولا محاسبين ومجزيين
تَرْجِعُونَها
، أي : إلى بدنها
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها . فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإما أن تعاندوا فتعلم حالكم وسوء مآلكم . [ 88 ] ذكر اللّه تعالى أحوال الطوائف الثلاث : المقربين ، وأصحاب اليمين ، والمكذبين الضالين في أول السورة في دار القرار . ثمّ ذكر أحوالهم في آخرها ، عند الاحتضار والموت ، فقال :
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
( 88 ) ، أي : إن كان الميت من المقربين إلى اللّه ، المتقربين إليه بأداء الواجبات والمستحبات ، وترك المحرمات والمكروهات ، وفضول المباحات . [ 89 ] فلهم روح ، أي : راحة وطمأنينة ، وسرور وبهجة ، ونعيم القلب والروح .
وَرَيْحانٌ
وهو اسم جامع لكل لذة بدنية ، من أنواع المآكل والمشارب وغيرها ، وقيل : الريحان هو : الطيب المعروف ، فيكون من باب التعبير بنوع الشيء عن جنسه العام .
وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
جامعة للأمرين كليهما ، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة ، الّتي تكاد تطير منها الأرواح ، فرحا وسرورا . كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما