تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1006

مساهمون:

ص١٠٠٦
أعمالهم الّتي عملوها في دار التكليف . [ 51 ]
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ
عن طريق الهدى ، التابعون لطريق الردى .
الْمُكَذِّبُونَ
بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من الحقّ والوعد والوعيد ،
لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ
( 52 ) وهو أقبح الأشجار ، وأخسها ، وأنتنها ريحا ، وأبشعها منظرا ،
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ
( 53 ) . والذي أوجب لهم أكلها - مع ما هي عليه من الشناعة - الجوع المفرط ، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تتقطع منه أفئدتهم . هذا الطعام ، هو الذي يدفعون به الجوع ، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع . [ 55 ] وأما شرابهم ، فهو بئس الشراب ، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام من الماء الحميم الذي يغلي في البطون
شُرْبَ الْهِيمِ
، وهي الإبل العطاش ، الّتي قد اشتد عطشها ، أو أن الهيم : داء يصيب الإبل ، لا تروى معه من شراب الماء . [ 56 ]
هذا
الطعام والشراب
نُزُلُهُمْ
، أي : ضيافتهم
يَوْمَ الدِّينِ
وهي الضيافة الّتي قدموها لأنفسهم ، وآثروها على ضيافة اللّه لأوليائه . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ( 107 ) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
( 108 ) . [ 57 ] ثمّ ذكر الدليل العقلي على البعث ، فقال :
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ
( 57 ) ، أي : نحن الّذين أوجدناكم ، بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ، من غير عجز ولا تعب ، أفليس القادر على ذلك ، بقادر على أن يحيي الموتى ؟ بلى إنه على كلّ شيء قدير ، ولهذا وبّخهم على عدم تصديقهم بالبعث ، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ . [ 58 ] أي : أفرأيتم ابتداء خلقكم من المني الذي تمنون ، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه ؟ أم اللّه تعالى الخالق الذي خلق فيكم الشهوة في الذكر والأنثى ، وهدى كلا منهما لما هنالك ، وحبب بين الزوجين ، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب التناسل . [ 62 ] ولهذا أحالهم اللّه تعالى بالاستدلال بالنشأة الأولى ، على النشأة الأخرى ، فقال :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
( 62 ) أن القادر على ابتداء خلقكم ، قادر على إعادتكم . وهذا امتنان منه على عباده ، يدعوهم به ، إلى توحيده وعبادته ، والإنابة إليه ، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار ، فتخرج من ذلك ، من الأقوات والأرزاق ، والفواكه ، ما هو من ضروراتهم ، وحاجاتهم ومصالحهم الّتي لا يقدرون أن يحصوها ، فضلا عن شكرها ، وأداء حقها ، فقررهم بمنته ، فقال : [ 64 ]
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
( 64 ) ، أي : أنتم أخرجتموه نباتا من الأرض ؟ أم أنتم الّذين نميتموه ؟ أم أنتم الّذين أخرجتم سنبله وثمره ، حتى صار حبا حصيدا وثمرا نضيجا ؟ أم اللّه الذي انفرد بذلك وحده ، وأنعم به عليكم ؟ وأنتم غاية ما تفعلون أن تحرثوا الأرض وتشقوها ، وتلقوا فيها البذر . ثمّ لا علم عندكم بما يكون بعد ذلك ، ولا قدرة لكم على أكثر من ذلك ، ومع ذلك ، فنبههم على أن ذلك الحرث معرض للأخطار ، لولا حفظ اللّه وإبقاؤه بلغة لكم ، ومتاعا إلى حين . [ 65 ]
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ
، أي : الزرع المحروث ، وما فيه من الثمار
حُطاماً
، أي : فتاتا متحطما ، لا نفع فيه ولا رزق .
فَظَلْتُمْ
، أي : فصرتم بسبب جعله حطاما ، بعد أن تعبتم فيه ، وأنفقتم النفقات الكثيرة .
تَفَكَّهُونَ
، أي : تندمون وتتحسرون على ما أصابكم ، ويزول بذلك فرحكم