إنسان لنفسه بما يوجب حكما على غيره ، وهو استدلال قوي ، لأن المقرر في الأصول أن الاستقراء التام . حجة كما أوضحناه مرارا ، ودعوى الحنفية ومن وافقهم أن الزوج غير متهم لا يسوغ شهادته لنفسه ، لإطلاق ظواهر النصوص في عدم قبول شهادة الإنسان لنفسه مطلقا .
الرابع : ما جاء في بعض روايات حديث اللعان أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال لما جاءت الملاعنة بالولد شبيها بالذي رميت به « لولا الأيمان لكان لي ولها شأن » عند أحمد « 1 » وأبي داود ، وقد سمى صلى اللّه عليه وسلّم في هذه الرواية شهادات اللعان أيمانا ، وفي إسناد الرواية المذكورة عباد بن منصور ، تكلم فيه غير واحد ، ويقال : إنه كان قدريا إلى غير ذلك من أدلتهم .
وأما الذين قالوا : إنها شهادات لا أيمان فاحتجوا : بأن اللّه سماها شهادات في قوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
[ النور : 6 ] وفي قوله :
فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ
[ النور : 6 ] الآية . وقوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ
[ النور : 8 ] الآية . واستدلوا أيضا بحديث « أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم : اليهودية والنصرانية تحت المسلم ، والمملوكة تحت الحر ، والحرة تحت المملوك » « 2 » ا ه .
قالوا : إنما منع لعان اليهودية والنصرانية والعبد والأمة ، لأنهم ليسوا ممن تقبل شهادتهم ، ولو كانت شهادات اللعان أيمانا لصح لعانهم ، لأنهم ممن تقبل يمينه ، وقال الزيلعي في نصب الراية في الحديث المذكور : قلت : أخرجه ابن ماجة في سننه عن ابن عطاء ، عن أبيه عطاء الخراساني ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال « أربع من النساء لا ملاعنة بينهن وبين أزواجهن : النصرانية تحت المسلم ، واليهودية تحت المسلم ، والمملوكة تحت الحر ، والحرة تحت المملوك » انتهى ، وأخرجه الدارقطني في سننه ، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ، عن عمرو بن شعيب به وقال عن جده عبد اللّه بن عمرو مرفوعا « أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان ، وليس بين العبد والحرة لعان ، وليس بين المسلم واليهودية لعان ، وليس بين المسلم والنصرانية لعان » .
انتهى . وقال الدارقطني : والوقاصي متروك الحديث ، ثم أخرجه عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن عمرو بن شعيب به ، قال : وعثمان بن عطاء الخراساني ضعيف الحديث جدا ، وتابعه يزيد بن زريع عن عطاء وهو ضعيف أيضا . وروي عن الأوزاعي ، وابن جريج وهما إمامان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : قوله ولم يرفعاه ثم أخرجه كذلك موقوفا . ثم أخرجه عن عمار بن مطر ، ثنا حماد بن عمرو ، عن زيد بن رفيع ،
هامش
( 1 ) المسند 1 / 238 ، 239 .
( 2 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعا : ابن ماجة في الطلاق حديث 2071 ، والدارقطني في الحدود حديث ( 240 ) 3 / 163 ، 164 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب اللعان 7 / 396 .