تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الحد ، لأن اللّه نص على أن الذي يدرأ عنها الحد هو شهاداتها في قوله تعالى :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ
[ 8 ] الآية ، وممن قال إن الزوج يلزمه الحد إن نكل عن الشهادات الأئمة الثلاثة ، خلافا لأبي حنيفة القائل بأنه يحبس ، حتى يلاعن ، أو يكذب نفسه ، فيقام عليه حد القذف ، وممن قال بأنها إن شهد هو ، ونكلت هي أنها تحد بشهاداته ونكولها : مالك والشافعي والشعبي ، ومكحول ، وأبو عبيد ، وأبو ثور . كما نقله عنهم صاحب المغني . وهذا القول أصوب عندنا ، لأنه ظاهر قوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
الآية . ولا ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا حد عليها بنكولها عن الشهادات ، وتحبس أيضا حتى تلاعن أو تقر فيقام عليها الحد . قال في المغني : وبهذا قال الحسن ، والأوزاعي ، وأصحاب الرأي . وروي ذلك عن الحارث العكلي ، وعطاء الخراساني ، واحتج أهل هذا القول بحجج يرجع جميعها إلى أن المانع من حدها أن زناها لم يتحقق ثبوته ، لأن شهادات الزوج ونكولها هي لا يتحقق بواحد منهما ولا بهما مجتمعين ثبوت الزنى عليها . وقول الشافعي ومالك ومن وافقهما في هذه المسألة أظهر عندنا لأن مسألة اللعان أصل مستقل لا يدخله القياس على غيره ، فلا يعدل فيه عن ظاهر النص إلى القياس على مسألة أخرى . والعلم عند اللّه تعالى .

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة

المسألة الأولى : [ أن اللعان لا يلزم بين الزوجين ؛ إلا بقذف الرجل زوجته قذفا ]

اعلم أن اللعان لا يلزم بين الزوجين ؛ إلا بقذف الرجل زوجته قذفا يوجب عليه الحد لو قاله لغير زوجة كرميها بالزنى ، ونفي ولدها عنه ، وقول الجمهور هنا : إنه يكفي في وجوب اللعان قذفها بالزنى من غير اشتراط أن يقول : رأيت بعيني ، أظهر عندي مما روي عن مالك ، من أنه لا يلزم اللعان ، حتى يصرح برؤية العين ، لأن القذف بالزنى كاف دون التصريح برؤية العين . وقول الملاعن في زمنه صلى اللّه عليه وسلّم : رأت عيني وسمعت أذني ، لا يدل على أنه لو اقتصر على أنها زنت ، أن ذلك لا يكفي ، دون اشتراط رؤية العين ، وسماع الأذن كما لا يخفى ، والعلم عند اللّه تعالى .

المسألة الثانية : اعلم أن العلماء اختلفوا في شهادات اللعان المذكورة في قوله : فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ

[ النور : 6 ] إلى آخر الآيات ، هل هي شهادات أو أيمان على أربعة أقوال : الأول : أنها شهادات لأن اللّه سماها في الآية شهادات . والثاني : أنها أيمان .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 90 | الشنقيطي