تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
المنذر ، ومن وافقهم ، فقد استدلوا بأدلة : منها : أن نصوص الكتاب والسنة الدالة على إقامة الحدود واستيفاء القصاص ، ليس في شيء منها تخصيص مكان دون مكان ولا زمان دون زمان ، وظاهرها شمول الحرم وغيره . قالوا : والعمل بظواهر النصوص واجب ، ولا سيما إذا كثرت . ومنها : أن استيفاء القصاص وإقامة الحدود حق واجب بتشريع اللّه على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، وفعل الواجب الذي هو عين طاعة اللّه في الحرم ليس فيه أي انتهاك لحرمة الحرم ، لأن أحق البلاد ، بأن يطاع فيها اللّه بامتثال أوامره هي حرمة ، وطاعة اللّه في حرمة ليس فيها انتهاك له كما ترى . أما استدلال هؤلاء بما في الصحيحين بلفظ إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة ، فهو استدلال في غاية السقوط ، لأن من ظن أنه حديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقد غلط غلطا فاحشا ، لأنه من كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما ، قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح العدوي « أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : أئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الغد من يوم الفتح ، فسمعته أذناي ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حمد اللّه ، وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها اللّه ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقولوا له : إن اللّه أذن لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ ، الشاهد الغائب ، فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح : إن الحرم لا يعيذ عاصيا إلى آخره ، وهذا صريح في أنه من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يعارض به أبا شريح » « 1 » لما ذكر له كلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ومعلوم أنه لا حجة البتة في كلام الأشدق ، ولا سيما في حال معارضته به لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان كلامه لا يطابق الجواب عن الحديث الذي ذكره أبو شريح رضي اللّه عنه . وفي صحيح مسلم « 2 » رحمه اللّه مثل ما في البخاري من حديث أبي شريح إسنادا ومتنا . وإذا تقرر أن القائل إن الحرم لا يعيذ عاصيا إلى آخره هو الأشدق علمت أنه لا دلالة فيه وكذلك احتجاجهم بما ثبت في الصحيح من أنه صلى اللّه عليه وسلّم « أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة » لأن أمره بقتله وهو متعلق بأستار الكعبة في نفس الوقت الذي أحل اللّه له في الحرم ، وقد صرح النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن حرمتها عادت كما كانت ، ففعله صلى اللّه عليه وسلّم في وقت إحلال الحرم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العمرة والمحصر وجزاء الصيد وفضائل المدينة حديث 1832 . ( 2 ) كتاب الحج حديث 446 .