تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
أزنى من فلان . فهو قاذف لهما ، وعليه حدان ، لأن قوله أزنى صيغة تفضيل ، وهي تدل على اشتراك المفضل ، والمفضل عليه في أصل الفعل ، إلا أن المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه ، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة في صيغة التفضيل : أنت وفلان زانيان ، ولكنك تفوقه في الزنى ، وكون هذا قذفا لهما واضح كما ترى ، وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أن يحد للمخاطب فقط ، دون فلان المذكور ، لا ينبغي أن يعول عليه ، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي ، وأصحاب الرأي من أنه ليس بقذف للأول ، ولا للثاني إلا أن يريد به القذف كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه ، لأن صيغة أنت أزنى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة ، لا إشكال فيها . وقال ابن قدامة في المغني محتجا للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة : أنه لا حد على الثاني : ما نصه : والثاني يكون قذفا للمخاطب خاصة لأن لفظه افعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل ، كقول اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
[ يونس : 35 ] وقال تعالى :
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ
[ الأنعام : 81 ] وقال لوط :
بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
[ هود : 78 ] أي من أدبار الرجال ، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه كما أنه هو ساقه ، ولم يعول عليه . وحاصل الاحتجاج المذكور : أن صيغة التفضيل قد ترد مرادا بها مطلق الوصف ، لا حصول التفضيل بين شيئين ، ومثل له هو بكلمة : أحق أن يتبع وكلمة : أحق بالأمن ، وكلمة : أطهر لكم ، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف كما هو معلوم ، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني ، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل ، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل ، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقّيّة الاتباع أصلا في قوله :
أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي
[ يونس : 5 ] ، ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن ، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة . ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضا قوله تعالى :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 27 ] أي هين سهل عليه ، وقول الشنفري :
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن * بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة . وقول معن بن أوس :