تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
المسألة السابعة عشرة : في حكم ما لو قال لرجل يا زانية بتاء الفرق ، أو قال لامرأة يا زاني بلا تاء . قال ابن قدامة في المغني . هو قذف صريح لكل منهما قال : واختار هذا أبو بكر ، وهو مذهب الشافعي ، واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا أن يفسره ، وهو قول أبي حنيفة ، لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا . كما يقال للعالم : علامة ، ولكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة ، ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا ، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها ، ولذلك لو قال للمرأة : يا شخصا زانيا ، وللرجل : يا نسمة زانية كان قاذفا . وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإنما كان اسما للفعل ، إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة ، كقولهم : حفظة للمبالغ في الحفظ وراوية للمبالغ في الرواية ، وكذلك همزة لمزة وصرعة ، ولأن كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح . انتهى كلام صاحب المغني . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر : يا زانية بصيغة التأنيث ، أو قال لامرأة : يا زاني بصيغة التذكير ، أنه يلزمه الحد . وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون عاميا ، لا يعرف العربية أو يكون له علم باللغة العربية ، فإن كان عاميا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين ، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه ، وإن كان عالما باللغة ، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصا . وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله :
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
[ النحل : 14 ] ، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي اللّه عنه :
منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغار النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم
ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده :
لم تفتها شمس النهار بشيء * غير أن الشباب ليس يدوم
وقول كثير :
لئن كان يرد الماء هيمان صاديا * إلى حبيبا إنها لحبيب
ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي :
ولكن ليلى أهلكتني بقولها * نعم ثم ليلى الماطل المتبلح
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 76 | الشنقيطي