وليس للعافي الطلب به ، لأنه قد أسقط حقه .
وروي عن أحمد رحمه اللّه رواية أخرى ، أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحدّ واحد ، وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد ، وإن طلبه فأقيم له ، ثم طلبه آخر أقيم له ، وكذلك جميعهم وهذا قول عروة ، لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه ، وقع استيفاؤه لجميعهم . وإذا طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده ، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ، سقاطهم ، وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي ، وقتادة ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة والشافعي . وقال حماد ومالك : لا يجب إلا حد واحد ، لأنها جناية توجب حدا ، فإذا تكررت كفى حد واحد ، كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء ، أو شرب أنواعا من المسكر ، ولنا أنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص ، وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق اللّه تعالى إلى أن قال : وإن قذف رجلا مرات فلم يحد فحد واحد رواية واحدة ، سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات ، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت ، فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم ، وحكي عن ابن القاسم : أنه أوجب حدا ثانيا ، وهذا يخالف إجماع الصحابة ، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال : شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان ، فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة ، وجاء زياد فقال ما عندك ؟ فلم يثبت فأمر بجلدهم فجلدوا ، وقال شهود زور . فقال أبو بكرة : أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمه ؟ قال : نعم . والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة : وأنا أشهد أنه زان ، فأراد أن يعيد عليه الحد فقال علي يا أمير المؤمنين : إنك إن أعدت عليه الحد ، أوجبت عليه الرجم . وفي حديث آخر : فلا يعاد في فرية جلد مرتين . قال الأثرم : قلت لأبي عبد اللّه قول علي : إن جلدته فارجم صاحبك ، قال : كأنه جعل شهادته شهادة رجلين : قال أبو عبد اللّه : وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول : إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر ، فأما إن حد له وقذفه بزنا ثان نظرت ، فإن قذفه بعد طول الفصل فحدّ ثان ، لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال ، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان .
إحداهما : يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد ، فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل ، ولأن سائر أسباب الحد ، إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه ، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب .
والثانية : لا يحد ، لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفه بالزنا الأول . انتهى من المغني ، وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم ، فيمن قذف جماعة بكلمة
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 72
مساهمون: الشنقيطي
ص٧٢