تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك ، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة . وإيضاح ذلك : أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية ، فقال جماعة : المراد بالنكاح في هذه الآية : الوطء الذي هو نفس الزنى ، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح . قالوا فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه ، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية : التزويج لا الوطء في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته ، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية ، لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
[ البقرة : 221 ] وقوله تعالى
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
[ الممتحنة : 10 ] وقوله تعالى
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ
[ الممتحنة : 10 ] ، وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله تعالى :
وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا
[ البقرة : 221 ] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال . وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء ؛ الذي هو الزنى ؛ لا عقد النكاح ، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة ، والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك ، منسوخ ظاهر السقوط ، لأن سورة النور مدنية ؛ ولا دليل على أن ذلك أحل بالمدينة ، ثم نسخ . والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه .

مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة

اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية ؛ ونكاح العفيفة الزاني ، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه ؛ ومن وافقهم ؛ واحتج أهل هذا القول بأدلة : منها : عموم قوله تعالى
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة وعموم قوله تعالى
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور : 32 ] الآية ؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضا والعفيفة . ومن أدلتهم على ذلك : حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما « أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : إن امرأتي لا ترد يد لامس : قال : غربها . قال أخاف أن تتبعها نفسي ؟ قال : فاستمتع بها » . قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا : رواه أبو داود « 1 » ، والترمذي ، والبزار ورجاله ثقات ، وأخرجه النسائي « 2 » من وجه آخر ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما بلفظ قال « طلقها ، قال لا أصبر عنها قال : فامسكها »
هامش
( 1 ) كتاب النكاح حديث 2049 . ( 2 ) كتاب النكاح ، باب تزويج الزانية .