أما على القول الأول فاللّه جل وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم وسنوا لهم السنن السيئة كما في قوله تعالى :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل : 25 ] الآية . وقوله تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] .
وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل : 25 ] الآية ، وذكرنا حديث جرير ، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك .
ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنه من هدى أو ضلالة . قوله تعالى :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
( 13 ) [ القيامة : 13 ] بناء على أن المعنى بما قدّم مباشرا له ، وأخّر مما عمل به بعده ما سنه من هدى أو ضلال . وقوله تعالى :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
( 5 ) [ الانفطار : 5 ] على القول بذلك .
وأما على التفسير الثاني : وهو أن معنى
وَآثارَهُمْ
خطاهم إلى المساجد ونحوها ، فقد جاء بعض الآيات دالا على ذلك المعنى كقوله تعالى :
وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ
[ التوبة : 121 ] لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم .
وأما الرابع : وهو قوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
( 12 ) فقد تدلّ عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني ، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدّموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال .
وأما على فرض كونه عامّا فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى :
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
( 28 ) [ الجن : 28 ] وقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، وهو أصحّ القولين . العلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ( 15 )
[ 15 ] .
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
( 94 ) [ الإسراء : 94 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار :
وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
( 15 ) قد بيّن أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
[ الملك : 8 - 9 ]