والحبلولة بينه وبين الخير جزاه اللّه بذلك على كفره جزاء وفاقا .
والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] فالباء سببية ، وفي الآية : تصريح منه تعالى أن سبب ذلك الطبع على قلوبهم هو كفرهم ، وكقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ المنافقون : 3 ] ومعلوم أن الفاء من حروف التعليل : أي فطبع على قلوبهم بسبب كفرهم ذلك ، وقوله تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] . وقوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 110 ) [ الأنعام : 110 ] وقوله تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه .
وقد دلّت هذه الآيات على أن شؤم السيئات يجرّ صاحبه إلى التمادي في السيئات ، ويفهم من مفهوم مخالفة ذلك ، أن فعل الخير يؤدي إلى التمادي في فعل الخير ، وهو كذلك كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( 17 ) [ محمد : 17 ] وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] وقوله تعالى :
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
[ التغابن : 11 ] إلى غير ذلك من الآيات .
واعلم : أن قول من قال من أهل العلم : إن معنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
أن المراد بذلك الأغلال ، التي يعذبون بها في الآخرة كقوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
( 72 ) [ غافر : 71 - 72 ] خلاف التحقيق ، بل المراد بجعل الأغلال في أعناقهم وما ذكر معه في الآية هو صرفهم عن الإيمان والهدى في دار الدنيا كما أوضحنا وقرأ هذا الحرف . حمزة ، والكسائي ، وحفص ، عن عاصم :
سَدًّا
بالفتح في الموضعين ، وقرأه الباقون بضم السين ، ومعناهما واحد على الصواب . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ
[ 11 ] .
تقدم إيضاحه مع نظائره من الآيات في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ
[ فاطر : 18 ] .
قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 )
[ 12 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء .
الأول : أنه يحيي الموتى مؤكّدا ذلك متكلما عن نفسه بصيغة التعظيم .
الثاني : أنه يكتب ما قدموا في دار الدنيا .