قد قدمنا إيضاحه وكلام أهل العلم ، فيما يتعلق به من الأحكام في آخر الأنفال في الكلام على قوله تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
[ الأنفال : 75 ] الآية .
قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 )
[ 7 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أخذ من النبيين ميثاقهم ثم خص منهم بذلك خمسة : هم أولوا العزم من الرسل ، وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم ، ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع ، فبين الميثاق المأخوذ على جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
( 82 ) [ آل عمران : 81 - 82 ] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم في الكلام على قصة الخضر ، وقد بين جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص الخمسة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى :
* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى : 13 ] .
وبما ذكرنا تعلم : أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه .
وقوله في هذه الآية الكريمة : ومنك ومن نوح من عطف الخاص على العام ، وقد تكلمنا عليه مرارا والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها
[ 9 ] .
أمر اللّه جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة : أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنود وهم جيش الأحزاب ، فأرسل جل وعلا عليهم ريحا وجنودا لم يرها المسلمون ، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها هنا في سورة الأحزاب ، بين أنه من عليهم بها أيضا في غزوة حنين ، وذلك في قوله تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها
[ التوبة : 25 - 26 ] الآية ، وهذه الجنود هي الملائكة ، وقد بيّن جل وعلا ذلك في الأنفال في الكلام على غزوة بدر ، وذلك في قوله تعالى :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
( 12 ) [ الأنفال : 12 ] الآية ،