تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
يقيدها بالإيمان ، فوجب أن يجزئ ما تناوله إطلاق الآية ، قالوا : وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه اللّه في كتابه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه . وممن قال باشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار : مالك ، والشافعي ، والحسن ، وإسحاق ، وأبو عبيدة ، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد . قاله في المغني : واحتج لأهل هذا القول بما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد . وقد بينا مسألة حمل المطلق على المقيد في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] في سورة النساء ، في الكلام على قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
[ النساء : 92 ] الآية . بقولنا فيه . وحاصل تحرير المقام في مسألة تعارض المطلق والمقيد : أن لها أربع حالات : الأولى : أن يتحد حكمها وسببهما معا كتحريم الدم ، فإن اللّه قيده في سورة الأنعام ، بكونه مسفوحا في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
[ الأنعام : 145 ] وأطلقه عن القيد بكونه مسفوحا في سورة النحل والبقرة والمائدة ، قال في النحل :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
[ النحل : 115 ] وقال في البقرة :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
[ البقرة : 173 ] وقال في المائدة :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
[ المائدة : 3 ] الآية . وجمهور العلماء يقولون : بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معا ، ولذلك كانوا لا يرون بالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم بأسا ، لأنه دم غير مسفوح ، قالوا : وحمله عليه أسلوب من أساليب اللغة العربية ، لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالا على المثبت ، ومنه قول قيس بن الخطيم الأنصاري :
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف
فحذف راضون لدلالة راض عليه . وقول ضابىء بن الحارث البرجمي :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب
والأصل : فإني غريب وقيار أيضا غريب ، فحذف إحدى الكلمتين لدلالة الأخرى عليها . وقول عمرو بن أحمر الباهلي :
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني
يعني كنت بريئا منه ، وكان والدي بريئا منه أيضا . وقول النابغة الجعدي :
وقد زعمت بنو سعد بأني * وما كذبوا كبير السن فاني
يعني زعمت بنو سعد أني فان وما كذبوا إلخ . وقالت جماعة من أهل الأصول : إن حمل المطلق على المقيد بالقياس ، لا بدلالة اللفظ وهو أظهرها . وقيل : بالعقل ، وهو