فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ
[ البقرة : 196 ] واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع ، لأن كلا من صوم الظهار واليمين صوم كفارة بخلاف صوم التمتع ، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك ، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع .
وقراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات لم تثبت لإجماع الصحابة ، على عدم كتب متتابعات في المصاحف العثمانية ، ومثال كونهما ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر : صوم قضاء رمضان ، فإن اللّه تعالى قال فيه
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
[ البقرة : 185 ] ولم يقيده بتتابع ولا تفريق ، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار بالتتابع . وصوم التمتع بالتفريق ، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من الآخر ، فلا يقيد بقيد واحد منهما بل يبقى على الاختيار . إن شاء تابعه ، وإن شاء فرقه والعلم عند اللّه تعالى . انتهى من [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] مع زيادة يسيرة للإيضاح .
الفرع الثاني : اعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة الظهار ، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا .
فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب ، تمسكا بإطلاق الرقبة في قوله تعالى :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
[ المجادلة : 3 ] ، قال : ظاهره ولو معيبة ، لأن اللّه لم يقيد الرقبة بشيء .
وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب . قالوا : يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا ، لأن المقصود تمليك العبد منافعه ، وتمكينه من التصرف لنفسه ، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا بينا ، فلا يجزئ الأعمى ، لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع ، ولا المقعد ، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين ، لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي ، فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما ، والشلل كالقطع في هذا .
قالوا : ولا يجوز المجنون جنونا مطبقا ، لأنه وجد فيه المعنيان : ذهاب منفعة الجنس ، وحصول الضرر بالعمل . قاله في المغني ، ثم قال : وبهذا كله قال الشافعي ومالك ، وأبو ثور وأصحاب الرأي . انتهى محل الغرض منه .
وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة .
وقال ابن قدامة في المغني : ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل ، ولا أشلهما ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى ، لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر ، من يد واحدة ، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك . وإن قطعت كل واحدة من يد جاز ، لأن من نفع الكفين باق وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها ، فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين ، وإن كان من غير الإبهام لم يمنع ، لأن منفعتها لا تذهب ، فإنها تصير كالأصابع القصار ، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل