تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
[ المؤمنون : 115 ] كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا ، والباء في قوله : إلا بالحق مثلها في قولك : دخلت عليه بثياب السفر ، واشترى الفرس بسرجه ولجامه ، تريد : اشتراه وهو متلبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما ، وكذلك المعنى : ما خلقها إلا وهي متلبسة بالحق مقترنة به . فإن قلت : إذا جعلت في أنفسهم صلة للتفكر فما معناه ؟ قلت : معناه أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم ، وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فتدبروا ما أودعها اللّه ظاهرا ، وباطنا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال ، وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانا ، وعلى الإساءة مثلها ، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير ، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت ، والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى . انتهى كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة : من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض ، وما بينهما لا يصح أن يكون باطلا ، ولا عبثا بل ما خلقهما إلا بالحق ، لأنه لو كان خلقهما عبثا لكان ذلك العبث باطلا ولعبا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق ، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق ، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم ، حتى إذا انتهى الأجل المسمى لذلك بعث الخلائق ، وجازاهم فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته ، وتظهر في الكافرين صفات عظمته ، وشدة بطشه ، وعظم نكاله ، وشدة عدله ، وإنصافه ، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
( 40 ) [ الدخان : 38 - 40 ] فقوله تعالى :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ
الآية بعد قوله
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
يبين ما ذكرنا . وقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
[ الحجر : 85 ] الآية . فقوله تعالى :
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
بعد قوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
يوضح ذلك ، وقد أوضحه تعالى في قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
( 31 ) [ النجم : 31 ] . وقد بين جل وعلا أن الذين يظنون أنه خلقهما باطلا لا لحكمة الكفار وهددهم على ذلك الظن الكاذب بالويل من النار ، وذلك في قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : 27 ] ، وبين جل وعلا أنه لو لم يبعث الخلائق ويجازهم ، لكان خلقه لهم أولا عبثا ، ونزه نفسه عن ذلك العبث سبحانه وتعالى