تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
الكشاف . وقال غيره : وفي تنكير قوله : ظاهرا تقليل لمعلومهم ، وتقليله يقربه من النفي ، حتى يطابق المبدل منه . ا ه . ووجهه ظاهر . واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية ، كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى :
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
( 78 ) [ مريم : 78 ] وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار ، إذا تعلمها المسلمون ، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقا لما أمر اللّه به ، على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم : كانت من أشرف العلوم وأنفعها ، لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة اللّه ومرضاته جل وعلا ، وإصلاح الدنيا والآخرة ، فلا عيب فيها إذن كما قال تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
[ الأنفال : 60 ] فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالا لأمر اللّه تعالى وسعيا في مرضاته ، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة ، كما ترى الآيات بمثل ذلك كثيرة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 )
[ 8 ] . لما بين جل وعلا أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون ، ثم ذكر أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم غافلون ، أنكر عليهم غفلتهم عن الآخرة ، مع شدة وضوح أدلتها بقوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
الآية ؛ والتفكر التأمل ، والنظر العقلي ، وأصله إعمال الفكر ، والمتأخرون يقولون الفكر في الاصطلاح حركة النفس في المعقولات . وأما حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل . وقال الزمخشري في الكشاف : في أنفسهم يحتمل أن يكون ظرفا كأنه قيل : أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم : أي في قلوبهم الفارغة من الفكر ، والفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه : زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك : اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك ، وأن يكون صلة للتفكر كقولك : تفكر في الأمر أجال فيه فكره ، وما خلق متعلق بالقول المحذوف ، معناه : أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول . وقيل معناه : فيعلموا ، لأن في الكلام دليلا عليه إلا بالحق ، وأجل مسمى أي ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح ، وحكمة بالغة ، ولا لتبقى خالدة ، وإنما خلقها مقرونة بالحق ، مصحوبة بالحكمة ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه ، وهو قيام الساعة ، ووقت الحساب ، والثواب ، والعقاب . ألا ترى إلى قوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 )