الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه صلى اللّه عليه وسلّم ، ويتأكد ذلك بثلاثة أمور :
الأول : هو ما ذكرناه الآن من أن رواية العدل لا ترد بالتأويل .
الثاني : أن عائشة رضي اللّه عنها لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم إنهم ليسمعون الآن ما أقول . قالت : إن الذي قاله صلى اللّه عليه وسلّم : إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ، فأنكرت السماع ونفته عنهم ، وأثبتت لهم العلم ، ومعلوم أن من ثبت له العلم صح منه السماع كما نبه عليه بعضهم .
الثالث : هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها ، عن تأويلها المذكور إلى الروايات الصحيحة .
قال ابن حجر في فتح الباري : ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد ، عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » ، وأخرجه أحمد « 1 » بإسناد حسن . فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة ، لكونها لم تشهد القصة . انتهى منه ، واحتمال رجوعها لما ذكر قوي ، لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين .
قال ابن حجر : إن أحدهما جيد . والآخر حسن ، ثم قال ابن حجر : قال الإسماعيلي :
كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ، ما لا مزيد عليه ، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه ، أو استحالته . انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر .
وقال ابن القيم في أول كتاب الروح : المسألة الأولى : وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا ؟ قال ابن عبد البر : ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام » فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ، ويرد عليه السلام .
وفي الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلّم من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر ، فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم « يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ، فقال له عمر : يا رسول اللّه : ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ، فقال : والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا » وثبت عنه صلى اللّه عليه وسلّم : أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه ، وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأمته إذا سلموا على أهل القبور ، أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ، ولولا ذلك لكان
هامش
( 1 ) المسند 3 / 219 ، 220 .