عنهم ، فيها التصريح من النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، بأن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله صلى اللّه عليه وسلّم ، وقد أقسم صلى اللّه عليه وسلّم على ذلك ولم يذكر تخصيصا ، وقال مسلم رحمه اللّه في صحيحه أيضا : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك قال : نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال يأتيه ملكان فيقعدانه » « 1 » الحديث . وفيه تصريح النبي صلى اللّه عليه وسلّم بسماع الميت في قبره قرع النعال وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى ، وظاهره العموم في كل من دفن وتولى عنه قومه ، كما ترى .
ومن الأحاديث الدالة على عموم سماع الموتى ما رواه مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن التيمي ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد : قال : يحيى بن يحيى : أخبرنا وقال الآخران : حدثنا إسماعيل بن جعفر عن شريك ، وهو ابن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كلما كان ليلتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الفرقد » ، ولم يقم قتيبة قوله : وأتاكم ما توعدون ، وفي رواية في صحيح مسلم عنها قالت : كيف أقول لهم يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال قولي : « السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم اللّه المستقدمين منا والمستأخرين . وإنا إن شاء اللّه بكم للاحقون » ثم قال مسلم رحمه اللّه :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب قالا : حدثنا محمد بن عبد اللّه الأسدي عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر : السلام على أهل الديار وفي رواية زهير : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء اللّه بكم للاحقون نسأل اللّه لنا ولكم العافية » « 2 » انتهى من صحيح مسلم . وخطابه صلى اللّه عليه وسلّم لأهل القبور بقوله : « السلام عليكم » وقوله : « وإنا إن شاء اللّه بكم » ، ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم ولا شك أن ذلك ليس من شأن العقلاء فمن البعيد جدا صدوره منه صلى اللّه عليه وسلّم ، وسيأتي إن شاء اللّه ذكر حديث عمرو بن العاص الدال على أن الميت في قبره يستأنس بوجود الحي عنده .
وإذا رأيت هذه الأدلة الصحيحة الدالة على سماع الموتى ، فاعلم أن الآيات القرآنية كقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
[ النمل : 80 ] وقوله :
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
( 22 )
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 70 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 102 و 103 و 104 .