الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها ، وتأويل عائشة رضي اللّه عنها بعض الآيات ، على معنى يخالف الأحاديث المذكورة ، لا يجب الرجوع إليه . لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه ، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بتأول بعض الصحابة بعض الآيات ، وسنوضح هنا إن شاء اللّه صحة المقدمتين المذكورتين ، وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ثابت عنه صلى اللّه عليه وسلّم من غير معارض صريح . علم بذلك رجحان ما ذكرنا ، أن الدليل يقتضي رجحانه .
أما المقدمة الأولى وهي ثبوت سماع الموتى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقد قال البخاري في صحيحه : حدثني عبد اللّه بن محمد ، سمع روح بن عبادة ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة : « أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش ، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ، ثم مشى واتبعه أصحابه ، وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته ، حتى قام على شفة الرّكيّ ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : » يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان :
أيسرّكم أنكم أطعتم اللّه ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ قال فقال عمر : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم :
« والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » قال قتادة أحياهم اللّه له ، حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة ، وندما « 1 » . فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي صلى اللّه عليه وسلّم : أن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول صلى اللّه عليه وسلّم من أولئك الموتى بعد ثلاث .
وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى ، ولم يذكر صلى اللّه عليه وسلّم في ذلك تخصيصا ، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر .
وقال البخاري في صحيحه أيضا : حدثني عثمان ، حدثنا عبدة عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : « وقف النبي صلى اللّه عليه وسلّم على قليب بدر فقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ ثم قال : إنهم الآن يسمعون ما أقول . فذكر لعائشة فقالت إنما قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
حتى قرأت الآية » « 2 » انتهى من صحيح البخاري . وقد رأيته أخرج عن صحابين جليلين ، هما ابن عمر ، وأبو طلحة تصريح النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن أولئك الموتى يسمعون ما يقول لهم ، ورد عائشة لرواية ابن عمر بما فهمت من القرآن مردود كما سترى إيضاحه إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 3976 ، ومسلم في صفة الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 78 .
( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 3980 و 3981 .