تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وأما سماع آخر فلا ، وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه اللّه ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه في هذا المبحث . وهذا التفسير الأخير دلت عليه أيضا آيات من كتاب اللّه جاء فيها التصريح بالبكم والصمم والعمى مسندا إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ، والمراد بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم ، دون غيره ، فهم يسمعون غيره ، وكذلك في البصر والكلام ، وذلك كقوله تعالى في المنافقين :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) [ البقرة : 18 ] فقد قال فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم ، وحلاوة ألسنتهم كما صرح به في قوله تعالى فيهم :
وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
[ المنافقون : 4 ] أي لفصاحتهم وقوله تعالى :
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
[ الأحزاب : 19 ] فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسنة حداد هم الذين قال اللّه فيهم
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] وما ذلك ، إلا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص ، وهو ما ينتفع به من الحق ، فهذا وحده هو الذي صموا عنه : فلم يسمعوه ، وبكموا عنه فلم ينطقوا به ، وعموا عنه فلم يروه مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه ، وينطقون به كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأحقاف : 26 ] الآية ، وهذا واضح كما ترى . وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح مع شواهده العربية في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين قوله في المنافقين :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] مع قولهم فيهم :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[ البقرة : 20 ] وقوله فيهم :
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
[ الأحزاب : 19 ] وقوله فيهم أيضا :
وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
[ المنافقون : 4 ] ، وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على السماع ، الذي لا فائدة فيه ، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك .

مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة

اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم ، وأن قول عائشة رضي اللّه عنها ومن تبعها : إنهم لا يسمعون استدلالا بقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها رضي اللّه عنها ، وممن تبعها . وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين . الأولى منهما : أن سماع الموتى ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في أحاديث متعددة ، ثبوتا لا مطعن فيه . ولم يذكر صلى اللّه عليه وسلّم أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت . والمقدمة الثانية : هي أن النصوص الصحيحة عنه صلى اللّه عليه وسلّم في سماع الموتى لم يثبت في