تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وقد قص اللّه عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى ابن مريم ، وهي : أنه عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم قال :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
( 34 ) [ مريم : 34 ] وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .
( 76 ) قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 )
[ 77 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] الآية . قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 )
[ 80 ] . اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن ، أن معنى قوله هنا : إنك لا تسمع الموتى لا يصح فيه من أقوال العلماء ، إلا تفسيران : الأول أن المعنى : إنك لا تسمع الموتى : أي لا تسمع الكفار ، الذين أمات اللّه قلوبهم ، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع ، لأن اللّه كتب عليهم الشقاء ، فختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وجعل على قلوبهم الأكنة ، وفي آذانهم الوقر ، وعلى أبصارهم الغشاوة ، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع : ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا قال بعده :
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ
( 81 ) [ النمل : 81 ] . فاتضح بهذه القرينة أن المعنى : إنك لا تسمع الموتى : أي الكفار الذين هم أشقياء في علم اللّه إسماع هدى وقبول للحق ما تسمع ذلك الإسماع ، إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها ، لمن يؤمن بآياته ، فهو مسلم دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية : موت الكفر والشقاء لا موت مفارقة الروح للبدن ، ولو كان المراد بالموت في قوله :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله : إنك لا تسمع الموتى بقوله : إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ، بل لقابله بما يناسبه كأن يقال : إن تسمع إلا من لم يمت : أي يفارق روحه بدنه كما هو واضح . وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المواد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول . فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى :
* إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
( 36 ) [ الأنعام : 36 ] ، وقد أجمع من يعتد به من
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 278 | الشنقيطي