ذلك اليوم : كمال العلم وقوة المعرفة . وقوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
( 12 ) [ السجدة : 12 ] فقوله : إنا موقنون : أي يوم القيامة ، يوضح معنى قوله هنا :
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
، وكقوله تعالى :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
( 48 ) [ الكهف : 48 ] فعرضهم على ربهم صفا يتدارك به علمهم ، لما كانوا ينكرونه . وقوله :
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
( 48 ) [ الكهف : 48 ] صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء ، كما ترى إلى غير ذلك من الآيات .
واعلم أن قوله : بل ادّارك فيه اثنتا عشرة قراءة اثنتان منها فقط سبعيتان ، فقد قرأه عامة السبعة ، غير ابن كثير وأبي عمرو : بل ادراك بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل ، وأصله تدارك بوزن : تفاعل : وقد قدمنا وجه الإدغام ، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن ، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى :
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ
( 117 ) [ الأعراف : 117 ] وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو : بل أدرك بسكون اللام من بل ، وهمزة قطع مفتوحة ، مع سكون الدال على وزن : أفعل .
والمعنى على قراءة الجمهور : بل ادّارك علمهم : أي تدارك بمعنى : تكامل . كقوله :
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً
[ الأعراف : 38 ] وعلى قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو : بل أدرك .
قال البغوي : أي بلغ ولحق . كما يقال أدركه علمي إذا لحقه وبلغه ، والإضراب في قوله تعالى :
بَلِ ادَّارَكَ
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
إضراب انتقالي ، والظاهر أن من في قوله تعالى :
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
( 66 ) بمعنى عن ، وعمون جمع عم ، وهو الوصف من عمى يعمى فهو أعمى وعم ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ
( 64 ) [ الأعراف : 64 ] وقول زهير في معلقته :
واعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم
قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 )
[ 76 ] .
ومن ذلك اختلافهم في عيسى ، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة ، مع أن طائفة منهم آمنت به ، كما يشير إليه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ
[ الصف : 14 ] والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى ، والتي كفرت افترت عليه ، وعلى أمه . كما تقدم إيضاحه في سورة مريم .