تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
واعلم أولا أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله : لولا دعاؤكم ، هل هو مضاف إلى فاعله ، أو إلى مفعوله ، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية ، داعون : لا مدعوون : أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم : أي عبادتكم له . وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية ، مدعوون ، لا داعون : أي ما يعبؤ بكم ، لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده ، وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام . واعلم أيضا أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافا إلى فاعله . والرابع : مبني على كونه مضافا إلى مفعوله . أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافا إلى فاعله . فالأول منها أن المعنى : ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم : أي عبادتكم له وحده جل وعلا ، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله :
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ
الآية . والثاني منها : أن المعنى : لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب : أي ولو كنتم ترجعون إلى شرككم ، إذا كشف الضر عنكم . والثالث : أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي : أي ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى ، ولا يخفى بعد هذا القول ، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه . أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية ، مضاف إلى مفعوله فهو ظاهر ، أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله . وإذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أن كل واحد منها ، قد دل عليه قرآن وسنبين هنا إن شاء اللّه تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها . أما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله ، وأن المعنى : ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان به ، وتوحيده ، وعبادته على ألسنة رسله ، فقد دلت عليه آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى في أول سورة هود :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ هود : 7 ] وقوله تعالى في أول سورة الكهف :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
( 7 ) [ الكهف : 7 ] وقوله في أول سورة الملك :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الملك : 2 ] . فهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض ، وجميع ما على الأرض والموت والحياة ، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله ، ويبتليهم أي أن يختبرهم أيهم أحسن عملا .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 242 | الشنقيطي