وهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات : 56 ] .
وفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله : لولا دعاؤكم : أي دعاؤه إياكم على ألسنة رسله ، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملا ، وعلى هذا فلا إشكال في قوله : فقد كذبتم : أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم : أي وقد دعاكم فكذبتم ، وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه . فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه .
وأما القول بأن معنى : لولا دعاؤكم : أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد ، والكروب ، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ العنكبوت : 65 ] وقوله تعالى :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ يونس : 22 ] .
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] الآية ، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة ، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه .
وأما القول بأن المعنى : ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى ، فقد دل على معناه قوله تعالى :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
[ النساء : 147 ] الآية .
والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلا ، وهو أن المعنى : لولا دعاؤكم :
أي عبادتكم له وحده ، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعطيه اللّه لمن أطاعه ، وما أعده لمن عصاه ، وكثرتها معلومة لا خفاء بها .
واعلم أن لفظة ما ، في قوله :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي
قال بعض أهل العلم : هي استفهامية . وقال بعضهم : هي نافية وكلاهما له وجه من النظر .
واعلم أن قول من قال : لولا دعاؤكم : أي دعاؤكم إياي لأغفر لكم ، وأعطيكم ما سألتم راجع إلى القول الأول ، لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم . وقوله :
فقد كذبتم : أي بما جاءكم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم .
وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً
( 65 ) [ الفرقان : 65 ] أن معنى قوله تعالى :
فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً
( 77 ) أي سوف يكون العذاب ملازما لهم غير مفارق ، كما تقدم إيضاحه .
وقال جماعة من أهل العلم : إن المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه لهم بقوله :
فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً
( 77 ) أنه ما وقع من العذاب يوم بدر ، لأنهم قتل منهم سبعون