تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
مُنِيراً
( 61 ) وذلك دليل على أنها ليست مطلق ما علاك ، وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، مما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلّم . فإن قيل : يوجد في كلام بعض السلف ، أن القمر في فضاء بعيد من السماء ، وأن علم الهيئة دل على ذلك ، وأن الأرصاد الحديثة بينت ذلك . قلنا : ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدي القرآن العظيم ، لأن الصحابة رضي اللّه عنهم لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا له يا نبي اللّه : ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرا ؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه ، وذلك في قوله تعالى :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] وهذا الباب الذي أرشد القرآن العظيم إلى سده لما فتحه الكفرة كانت نتيجة فتحه الكفر ، والإلحاد وتكذيب اللّه ورسوله من غير فائدة دنيوية ، والذي أرشد اللّه إليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه ، وعجائبه في السماوات والأرض ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى ، واستحقاقه للعبادة وحده ، وهذا المقصد الأساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار . وعلى كل حال فلا يجوز لأحد ترك ظاهر القرآن العظيم إلا لدليل مقنع يجب الرجوع إليه كما هو معلوم في محله . ولا شك أن الذين يحاولون الصعود إلى القمر بآلاتهم ويزعمون أنهم نزلوا على سطحه سينتهي أمرهم إلى ظهور حقارتهم ، وضعفهم ، وعجزهم ، وذلهم أمام قدرة خالق السماوات والأرض جل وعلا . وقد قدمنا في سورة الحجر أن ذلك يدل عليه قوله تعالى :
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ
( 11 ) [ ص : 10 - 11 ] . فإن قيل : الآيات التي استدللت بها على أن القمر في السماء المحفوظة فيها احتمال على أسلوب عربي معروف ، يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت ، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده دون المعنى . وإيضاحه أن يقال في قوله :
جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
هي السماء المحفوظة ، ولكن الضمير في قوله :
وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
( 61 ) راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة ، وهذا أسلوب عربي معروف وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة : عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر ، ومنه قوله تعالى :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
[ فاطر : 11 ] أي ولا ينقص من عمر معمر آخر . قلنا : نعم هذا محتمل ، ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل يجب الرجوع إليه ، والعدول