تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
الإعراب في الآية ليس بوجيه عندي كقول من قال : إن لفظة بين هي اسم كان ، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني ، وقول من قال : إن بين هي خبر كان ، وقواما حال مؤكدة له ومن قال إنهما خبران كل ذلك ليس بوجيه عندي ، والأظهر الأول . والظاهر أن التوسط في الإنفاق الذي مدحهم به شامل لإنفاقهم على أهليهم ، وإنفاقهم المال في أوجه الخير . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في غير هذا الموضع ، فمن ذلك أن اللّه أوصى نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء : 29 ] الآية ، فقوله :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
أي ممسكة عن الإنفاق إمساكا كليا ، يؤدي معنى قوله هنا ولم يقتروا . وقوله : ولا تبسطها كل البسط ، يؤدي معنى قوله هنا : لم يسرفوا . وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
( 26 ) [ الإسراء : 26 ] وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] الآية . على أصح التفسيرين . وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
( 3 ) [ البقرة : 3 ] . مسألة هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
الآية والآيات التي ذكرناها معها ، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد . وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما . الأول منهما : اكتساب المال . والثاني منهما : صرفه من مصارفه ، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج ، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلا بوجود الآخر ، فلو كان الإنسان أحسن الناس نظرا في أوجه اكتساب المال إلا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه ، فإن جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة ، وكذلك إذا كان الإنسان أحسن الناس نظرا في صرف المال في مصارفه المنتجة إلا أنه أخرق جاهل بأوجه اكتسابه . فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه . والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في الصرف . وإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين ، وأن الآيات