تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
عَنِ الذِّكْرِ
[ الفرقان : 29 ] الأظهر أن الذكر القرآن وقوله :
لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
( 28 ) العرب تطلق لفظة فلان كناية عن العلم : أي لم أتخذ أبيا أو أمية خليلا ، ويكنون عن علم الأنثى بفلانة ومنه قول عروة بن حزام العذري :
ألا قاتل اللّه الوشاة وقولهم * فلانة أضحت خلة لفلان
وقوله :
يَعَضُّ الظَّالِمُ
[ الفرقان : 27 ] من عضض بكسر العين في الماضي ، يعض بفتحها في المضارع على القياس ، ومنه قول الحارس بن وعلة الذهلي :
الآن لما أبيض مسربتي * وعضضت من نابى على جذم
فإن الرواية المشهورة في البيت عضضت بكسر الضاد الأولى وفيها لغة بفتح العين في الماضي ، والكسر أشهر ، وعض تتعدى بعلى كما في الآية وبيت الحارث بن وعلة ، المذكورين وربما عديت بالباء ومنه قول ابن أبي ربيعة :
فقالت وعضت بالبنان فضحتني * وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء ، قد يدخل قرينه النار والتحذير من قرين السوء مشهور معروف ، وقد بين جل وعلا في سورة الصافات : أن رجلا من أهل الجنة أقسم باللّه أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب النار ، ولكن لطف اللّه به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار ، وذلك في قوله تعالى :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 ) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
( 57 ) [ الصافات : 51 - 57 ] . قوله تعالى :
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 )
[ 30 ] . معنى هذه الآية الكريمة ظاهر ، وهو أن نبينا صلى اللّه عليه وسلّم شكا إلى ربه هجر قومه ، وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم أي تركهم لتصديقه ، والعمل به وهذه شكوى عظيمة ، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم ، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم ، ولم يعتقد ما فيه من العقائد ، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال . واعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية ، وهي أن الكف عن الفعل فعل . والمراد بالكف الترك ، قال في طبقاته : لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدا عثر عليها . أحدها : قوله تعالى :
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
( 30 ) فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك ، فصار المعنى تناولوه متروكا أي : فعلوا تركه . انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود ، شرح مراقي السعود في الكلام على