قوله :
* فكفنا بالنهي مطلوب النبي *
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : استنباط السبكي من هذه الآية أن الكف فعل وتفسيره لها بما يدل على ذلك ، ولم يظهر لي كل الظهور ، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلت عليه ، وهو كون الكف فعلا دلت عليه آيتان كريمتان من سورة المائدة ، دلالة واضحة لا لبس فيها ، ولا نزاع . فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية الفرقان هذه فإنه قد بينته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة المائدة . أما الأولى منهما فهي قوله تعالى :
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
( 63 ) [ المائدة : 63 ] فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سماه اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة صنعا في قوله :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
( 63 ) [ المائدة : 63 ] .
أي وهو تركهم النهي المذكور ، والصنع أخص من مطلق الفعل ، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح كما ترى .
وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى :
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 79 ) [ المائدة : 79 ] فقد سمى جل وعلا في هذه الآية الكريمة : تركهم التناهي ، عن المنكر فعلا ، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذم في قوله :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 79 ) [ المائدة : 79 ] أي وهو تركهم التناهي ، عن كل منكر فعلوه ، وصراحة دلالة هذه الآية أيضا على ما ذكر واضحة كما ترى .
وقد دلت أحاديث نبوية على ذلك كقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » « 1 » فقد سمى صلى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلاما ، ومما يدل من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه صلى اللّه عليه وسلّم لمسجده بالمدينة :
لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك منا العمل المضلل
فسمى قعودهم عن العمل ، وتركهم له عملا مضللا ، وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الكف فعل على المذهب . أي وهو الحق . وبين فروعا مبنية على ذلك نظمها الشيخ الزقاق في نظمه المسمى بالمنهج المنتخب ، وأورد أبيات الزقاق في ذلك وقال : وجلبتها هنا على سبيل التضمين ، وهذا النوع يسمى استعانة ، وهو تضمين بيت فأكثر بقوله :
فكفنا بالنهي مطلوب النبي * والكف فعل في صحيح المذهب
له فروع ذكرت في المنهج * وسردها من بعد ذا البيت يجي
هامش
( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو : البخاري في الإيمان حديث 10 ، والرقاق حديث 6484 ، ومسلم في الإيمان حديث 65 .