[ الأحقاف : 5 - 6 ] فقد دل قوله تعالى :
وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ
( 5 ) [ الأحقاف : 5 ] على أنهم لا يعقلون ، ومع ذلك قال :
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
( 6 ) [ الأحقاف : 6 ] وكقوله تعالى في العنكبوت :
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[ العنكبوت : 25 ] الآية . فصرح بأنهم أوثان ، ثم ذكر أنهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضا .
وكقوله تعالى :
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
( 82 ) [ مريم : 82 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله في هذه الآية الكريمة
حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ
الظاهر أن معنى نسوا تركوا .
والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد ، وقيل ذكر اللّه بشكر نعمه ، والأصح أن قوله بورا معناه هلكى ، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة ، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً
( 18 ) وقوله في سورة الفتح :
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً
( 12 ) [ الفتح : 12 ] ومن إطلاقه على المفرد قول عبد اللّه بن الزبعري السهمي رضي اللّه عنه .
يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور
ويطلق البور على الهلاك . وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان ، وهم من أهل اليمن ، ومنه قول الشاعر :
فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم * وكافوا به فالكفر بور لصانعه
واعلم أن ما ذكره الزمخشري في هذه الآية ، وأطنب فيه من أن اللّه لا يضل أحدا مذهب المعتزلة ، وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، فإياك أن تغتر به ، وما ذكر عن الحسن البصري ، ومالك ، عن الزهري من أن معنى بورا لا خير فيهم له وجه في اللغة العربية ، ولكن التحقيق أنه ليس معنى الآية ، وأن معنى بورا هلكى كما تقدم ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
[ 19 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية : أن المعبودين كذبوا العابدين وذلك في قوله عنهم :
قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ
[ الفرقان : 18 ] .
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تكذيب المعبودين للعابدين ، جاء في آيات أخر كقوله تعالى :
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
( 6 ) [ الأحقاف : 6 ] وكقوله تعالى :
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ
( 86 ) [ النحل : 86 ] وقوله :
فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما