تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين : الأول : أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن ، وفي اللغة مرادا بها مطلق الاتصاف ، لا تفضيل شيء على شيء . وقدمناه مرارا وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها . الثاني : أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة ، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل ، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل ، كقول حسان بن ثابت رضي اللّه عنه :
أتهجوه ولست له بكفء * فشرّكما لخير كما الفداء
وكقول العرب : الشقاء أحب إليك ، أم السعادة ؟ وقوله تعالى :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ
[ يوسف : 33 ] الآية . قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ
الآية ، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله :
* فشركما لخيركما الفداء *
وكقول العرب : الشقاء أحب إليك أم السعادة ، وكقوله :
السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
[ يوسف : 33 ] وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ . ا ه الغرض من كلام أبي حيان . وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى ، والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان . وقوله تعالى في هذه الآية :
أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
العائد محذوف : أي وعدها المتقون ، والآية تدل على أن الوعد الصادق بالجنة ، يحصل بسبب التقوى . وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
( 31 ) [ النحل : 31 ] وقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ
[ النحل : 31 ] العائد أيضا محذوف كالذي قبله : أي ما يشاءونه ، وحذف العائد المنصوب بالفعل أو الوصف كثير ، كما قال في الخلاصة :
والحذف عندهم كثير منجلي * في عائد متصل إن انتصب
بفعل أو وصف * كمن نرجو يهب
وهذه الآية الكريمة ، تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاءونه من أنواع النعيم .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 199 | الشنقيطي