تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
قوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .
( 63 ) [ 63 ] الضمير في قوله : عن أمره راجع إلى الرسول ، أو إلى اللّه والمعنى واحد ، لأنّ الأمر من اللّه والرسول مبلغ عنه ، والعرب تقول : خالف أمره وخالف عن أمره : وقال بعضهم : يخالفون : مضمن معنى يصدون ، أي يصدّون عن أمره . وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب ، لأنه جل وعلا توعّد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم وحذّرهم من مخالفة الأمر . وكلّ ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ، ما لم يصرف عنه صارف ، لأنّ غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير . وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلّت عليه آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ
( 48 ) [ المرسلات : 48 ] فإن قوله :
ارْكَعُوا
أمر مطلق ، وذمّه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله :
لا يَرْكَعُونَ
( 48 ) يدل على أن امتثاله واجب . وكقوله تعالى لإبليس
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ الأعراف : 12 ] فإنكاره تعالى على إبليس موبّخا بقوله :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
يدلّ على أنه تارك واجبا . وأنّ امتثال الأمر واجب مع أنّ الأمر المذكور مطلق ، وهو قوله تعالى :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : 34 ] و [ الأعراف : 11 ] و [ الإسراء : 61 ] و [ الكهف : 50 ] و [ طه : 116 ] وكقوله تعالى عن موسى
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) [ طه : 93 ] فسمّى مخالفة الأمر معصية ، وأمره المذكور مطلق ، وهو قوله :
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 )
[ الأعراف : 142 ] وكقوله تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 )
[ التحريم : 6 ] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفة عاص ، ولا يكون عاصيا إلا بترك واجب ، أو ارتكاب محرّم . وكقوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] فإنّه يدل على أن أمر اللّه ، وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب للامتثال ، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى . وأشار إلى أنّ مخالفته معصية بقوله بعده :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً
( 36 ) [ الأحزاب : 36 ] . واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب بدليل أن السيد لو قال لعبده اسقني ماء مثلا ، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول : عقابك لي ظلم لأن صيغة الأمر في قولك : اسقني ماء لم توجب عليّ الامتثال فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني ، بل يفهم من نفس الصيغة أنّ الامتثال يلزمه ، وأن العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه ، والفتنة في قوله
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
قيل هي القتل ، وهو مروي عن ابن عباس ،