وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
( 171 ) [ آل عمران : 171 ] وقوله
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
( 60 ) [ الرحمن : 60 ] والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا . وفي هذا المعنى الكريمة سؤلان معروفان عند العلماء :
الأول - أن يقال أين خبر « إنّ » في قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
الآية ؟ فإذا قيل :
خبرها جملة
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( 30 ) توجه السؤال .
الثاني - وهو أن يقال : أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم « إنّ » ؟ .
اعلم أن خبر « إنّ » في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
قيل هو جملة
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ
[ الكهف : 30 - 31 ] وعليه فقوله :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( 30 ) جملة اعتراضية . وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه . وقيل : « إنّ » الثانية واسمها وخبرها ، كل ذلك خبر « إنّ » الأولى . ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن « إن » ب « إن » وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة « الحج » :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الحج : 17 ] الآية ، وقول الشاعر :
إن الخليفة إن اللّه ألبسه * سربال ملك به ترجى الخواتيم
على أظهر الوجهين في خبر « إن » الأولى في البيت . وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين :
الأول - أن الضمير الرابط محذوف ، تقديره : لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا :
كقولهم : السمن منوان بدرهم ، أي منوان منه بدرهم ، كما تقدم في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
[ البقرة : 234 ] الآية . أي يتربصن بعدهم .
الوجه الثاني - أن
مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( 30 ) هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وإذا كان الذين آمنوا ، ومن أحسن عملا ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير . وهذا هو مذهب الأخفش ، وهو الصواب ؛ لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى .
قوله تعالى :
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
- إلى قوله -
وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 )
[ 31 ] .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملا ، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار ، ويحلون فيها أساور الذهب ، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والإستبرق ، في حال كونهم متكئين فيها على الأرائك وهي السرر في الحجال والحجال : جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة . ثم أثنى على ثوابهم بقوله :
نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
( 31 ) : وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين