وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضا بالمال والولد ، كما أنعم عليهم في الدنيا - جاء مبينا في آيات أخر ، كقوله في « فصلت » :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ، وقوله في « مريم » :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
( 77 ) [ مريم : 77 ] وقوله في « سبأ » :
وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 35 ) [ سبأ : 35 ] . وقوله في هذه السورة الكريمة :
فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
( 34 ) [ الكهف : 34 ] .
وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه : من أنهم يجدون نعمة اللّه في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة ، كقوله :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ
[ المؤمنون : 55 - 56 ] ، وقوله
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( 183 ) [ الأعراف : 182 - 183 ] ، وقوله
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
( 178 ) [ آل عمران :
178 ] ، وقوله :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى
[ سبأ : 37 ] الآية ، وقوله تعالى :
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ
( 2 ) [ المسد : 2 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله :
مُنْقَلَباً
( 36 ) أي مرجعا وعاقبة . وانتصابه على التمييز . وقوله :
لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها
قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير « منهما » بصيغة تثنية الضمير . وقرأه الباقون « منها » بصيغة إفراد هاء الغائبة . فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ
[ الكهف : 32 ] ، وقوله :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
( 18 ) [ الكهف : 18 ] . وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ
الآية .
فإن قيل : ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان ؟ فالجواب - أنه قال ما ذكره اللّه عنه حين دخل إحداهما ، إذ لا يمكن دخوله فيهما معا في وقت واحد . وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط ، كما نبه عليه أبو حيان في البحر .
قوله تعالى :
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 )
[ 37 - 38 ] .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلا للمؤمنين ، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار ، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلا لذوي المال والجاه من الكفار ، منكرا عليه كفره - أكفرت بالذي خلقك من تراب ، ثم من نطفة ، ثم سواك رجلا ، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة ، ثم تسويته إياه رجلا ، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود ، وجعله بشرا سويا ،