القول مع بقاء مقولة . وفي قوله :
الَّذِينَ ظَلَمُوا
أوجه كثيرة من الإعراب معروفة ، وأظهرها عندي : أنّها بدل من الواو في أوله :
وَأَسَرُّوا
بدل بعض من كل ، وقد تقرر في الأصول :
أن بدل البعض من الكلّ من المخصّصات المتصلة ، كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] . فقوله
مَنْ
بدل من « النّاس » : بدل بعض من كل ، وهي مخصصه لوجوب الحج بأنه لا يجب إلّا على من استطاع إليه سبيلا ، كما قدمنا هذا في سورة « المائدة » .
قوله تعالى :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
[ 3 ] .
إعراب هذه الجملة جار مجري اعراب الجملة التي قبلها ، التي هي
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ الأنبياء : 3 ] ، والمعنى : أنهم زعموا أن ما جاء به نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم سحر ، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم يبصرون . يعنون بذلك تصديق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي لا يمكن أن نصدقك ونتبعك ، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر . وقد بين جلّ وعلا في غير هذا الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلّم سحر ، كقوله عن بعضهم :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
[ المدثر : 24 ] ، وقوله تعالى :
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
( 52 ) [ الذاريات : 52 ] . وقد ردّ اللّه عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا :
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 4 ) يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع العليم ، المحيط علمه بكل شيء ، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم ، وكون من أنزله هو العالم بكل شيء يدّل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام ، وسلامته من جميع العيوب والنقائص ، وأنه ليس بسحر . وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع : كقوله تعالى :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفرقان :
6 ] الآية ، وقوله تعالى :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
[ النساء : 166 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ
بألف بعد القاف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي ، وقرأه الباقون قل بضم القاف وإسكان اللام بصيغة الأمر .
قوله تعالى :
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ
[ 5 ] .
الظاهر أن الإضراب في قوله هنا
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ
إلخ ، إضراب انتقالي لا إبطالي ، لأنهم قالوا ذلك كله ، وقال بعض العلماء : كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها اللّه عنهم صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول ، بل تارة يقولون هو ساحر ، وتارة شاعر ، وهكذا ، لأنّ المبطل لا يثبت على قول واحد . وقال بعض أهل العلم : كل واحد من تلك الأقوال قالته طائفة : كما قدّمنا الإشارة إلى هذا في سورة « الحجر » في الكلام على قوله تعالى :
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
[ الحجر : 91 ] وقد ردّ اللّه عليهم هذه الدعاوى