إليه ، واللّه أعلم . والإسراف : مجاوزة الحدّ في المعاصي كالكفر ، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفّار .
قوله تعالى :
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ ( 11 )
[ 11 ] .
« كم » هنا للإخبار بعدد كثير ، وهي في محلّ نصب لأنها مفعول « قصمنا » أي قصمنا كثير من القرى الّتي كانت ظالمة ، وأنشأنا بعدها قوما آخرين . وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبيّنا في مواضع كثيرة من كتاب اللّه ؛ كقوله تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 17 ) [ الإسراء : 17 ] ، وقوله :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ الحج : 45 ] الآية ، وقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً
( 9 ) [ الطلاق : 8 - 9 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَكَمْ قَصَمْنا
أصل القصم : أفظع الكسر لأنه الكسر الّذي يبين تلاؤم الأجزاء ، بخلاف الفصم بالفاء فهو كسر لا يبين تلاؤم الأجزاء بالكلية .
والمراد بالقصم في الآية : الإهلاك الشديد .
قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 )
[ 16 ] .
قد قدّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة « الحجر » فأغنى ذلك عن إعادته هنا ، وكذلك قوله :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
الآية . قد قدّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة « بني إسرائيل » ، وكذلك الآيات التي بعد هذا قد قدّمنا في مواضع متعددة ما يبينها من كتاب اللّه .
قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 )
[ 26 - 27 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار لعنهم اللّه قالوا عليه أنه اتّخذ ولدا .
وقد بيّنا ذلك فيما مضى بيانا شافيا في مواضع متعدّدة من هذا الكتاب المبارك . سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وبيّن هنا بطلان ما ادّعوه على ربهم من اتخاذ الأولاد وهم في زعمهم الملائكة - بحرف الإضراب الإبطالي الذي هو « بل » مبيّنا : أنهم عباده المكرمون ، والعبد لا يمكن أن يكون ولدا لسيّده . ثمّ أثنى على ملائكته بأنهم عباد مكرمون ، لا يسبقون ربهم بالقول أي لا يقولون إلا ما أمرهم أن يقولوه لشدّة طاعتهم له
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
( 27 ) . وما أشار إليه في هذه الآية الكريمة من أن الملائكة عبيده وملكه ، والعبد لا يمكن أن يكون ولدا لسيّده - أشار له في غير هذا الموضع ؛ كقوله في