بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الأنبياء
قوله تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
[ 1 ] الآية .
قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة « النحل » فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ 3 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم ، قائلين :
إن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو إلّا بشر مثلهم ، فيكف يكون رسولا إليهم ؟ والنجوى : الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس . وما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم : أنّ بشرا مثلهم لا يمكن أن يكون رسولا ، وتكذيب اللّه لهم في ذلك - جاء في آيات كثيرة ، وقد قدّمنا كثيرا من ذلك ، كقوله :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء :
94 ] ، وقوله :
فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ
[ التغابن : 6 ] الآية ، وقوله :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
[ القمر : 24 ] وقوله :
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
[ المؤمنون : 33 - 34 ] ، وقوله تعالى :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] الآية ، وقوله تعالى :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
[ إبراهيم :
10 ] الآية . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدّا ، كما تقدّم إيضاح ذلك .
وقد رد اللّه عليهم هذه الدعوى الكاذبة الّتي هي منع إرسال البشر ، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 43 ] ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] الآية ، وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 20 ] ، وقوله هنا :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
( 8 ) [ الأنبياء : 8 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وجملة
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
. قيل بدل من « النّجوى » ؛ أي أسرّوا النجوى الّتي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم : هل هذا إلّا بشر مثلكم . وصدر به الزمخشري ، وقيل : مفعول به للنجوى ؛ لأنها بمعنى القول الخفي ؛ أي قالوا في خفية :
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
.
وقيل : معمول قول محذوف ؛ أي قالوا هل هذا إلّا بشر مثلكم . وهو أظهرها ؛ لأطراد حذف