تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 )
[ 134 ] . قد قدّمنا في سورة « النساء » أن آية « طه » هذه تشير إلى معناها آية « القصص » التي هي قوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 47 ) [ القصص : 47 ] وأنّ تلك الحجّة الّتي يحتجّون بها لو لم يأتهم نذير هي المذكورة في قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] . فقوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا
[ 135 ] . أمر اللّه جلّ وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عنادا وتعنّتا : كلّ منا ومنكم متربّص ، أي منتظر ما يحلّ بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة . وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه والمسلمون كلّه خير ، بعكس ما ينتظره ويتربّص الكفار ؛ كقوله تعالى :
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
( 52 ) [ التوبة : 52 ] ، وقوله :
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ
[ التوبة : 98 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والتربّص : الانتظار . قوله تعالى :
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ( 135 )
[ 135 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار سيعلمون في ثاني حال من أصحاب الصراط السويّ ومن اهتدى ؛ أي وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك . وأمر نبيّه أن يقول ذلك للكفار . والمعنى : سيتّضح لكم أنّا مهتدون ، وأنا على صراط مستقيم ، وأنكم على ضلال وباطل . وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة ، ويظهر لهم في الدنيا لما يرونه من نصر اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا المعنى الّذي ذكره هنا بيّنه في غير هذا الموضع ؛ كقوله :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 42 ) [ الفرقان : 42 ] ، وقوله :
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
( 26 ) [ القمر : 26 ] ، وقوله :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
( 88 ) [ ص : 88 ] إلى غير ذلك من الآيات والصراط في لغة العرب : الطريق الواضح . والسويّ : المستقيم ، وهو الذي لا اعوجاج فيه ؛ ومنه قول جرير :
أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوجّ الموارد مستقيم
و « من » في قوله
مَنْ أَصْحابُ
قال بعض العلماء : هي موصولة مفعول به ل « تعلمون » . وقال بعضهم : هي استفهاميّة معلقة لفعل العلم ، كما قدمنا إيضاحه في « مريم » والعلم عند اللّه تعالى .