تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
أي خفضت وخفتت ، وسكنت هيبة للّه ، وإجلالا وخوفا
فَلا تَسْمَعُ
في ذلك اليوم صوتا عاليا ، بل لا تسمع
إِلَّا هَمْساً
أي صوتا خفيا خافتا من شدة الخوف . أو
إِلَّا هَمْساً
أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر - والهمس يطلق في اللغة على الخفاء ، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام ؛ كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات ، ومنه قول الراجز :
وهن يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطير ننك لميسا
وما ذكره جل وعلا هنا أشار له في غير هذا الموضع ، كقوله :
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
( 38 ) [ النبأ : 37 - 38 ] : وقوله هنا :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ
[ طه : 109 ] الآية ، قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في « مريم » وغيرها ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 )
[ 111 ] . قوله :
عَنَتِ
أي ذلت وخضعت ؛ تقول العرب : عنا يعنو عنوا وعناء : إذ ذل وخضع ، وخشع ؛ ومنه قليل للأسير عان ؛ لذله وخضوعه لمن أسره . ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي :
مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقوله أيضا :
وعنا له وجهي وخلقي كله * في الساجدين لوجهه مشكورا
واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة ، فقال بعضهم : المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم : وجوه العصاة خاصة وذلك يوم القيامة : وأسند الذل والخشوع لوجوههم ، لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع . ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الملك : 27 ] الآية ، وقوله :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ
( 25 ) [ القيامة : 24 ، 25 ] ، وقوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً
( 4 ) [ الغاشية : 2 - 4 ] ، وعلى هذا القول انتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة . وقال بعض العلماء
* وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين للّه في دار الدنيا ، وذلك بالسجود والركوع . وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع للّه يوم