تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفا عليه ، وليس فيه قوله : فإذا قال ذلك الخ . وذكر صاحب الدّرّ المنثور أيضا : أنّ الحكيم التّرمذي أخرج نحوه مرفوعا عن أبي بكر الصّديق رضي اللّه عنه . والظاهر أنّ المرفوع لا يصحّ . والّذي يظهر لي أنّ العهد في الآية يشمل الإيمان باللّه وامتثال أمره واجتناب نهيه . خلافا لمن زعم أنّ العهد في الآية كقول العرب : عهد الأمير إلى فلان بكذا ؛ أي أمره به . أي لا يشفع إلّا من أمره اللّه بالشفاعة . فهذا القول ليس صحيحا في المراد بالآية وإن كان صحيحا في نفسه . وقد دلّت على صحّته آيات من كتاب اللّه ؛ كقوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 255 ] ، وقوله
* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
( 26 ) [ النجم : 26 ] ، وقوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
[ سبأ : 23 ] ، وقوله :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
[ طه : 109 ] الآية ، وقوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
( 88 ) [ مريم : 88 ] الآيات ، قد تكلّمنا عليها وعلى الآيات الّتي بمعناها في القرآن في مواضع متعدّدة ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 )
[ 96 ] . قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ من أنواع البيان الّتي تضمّنها أن يذكر في القرآن لفظ عام ثمّ يصرّح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، وقد قدّمنا أمثلة متعدّدة لذلك . فإذا علمت ذلك فاعلم - أنّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة ذكر أنّه سيعجل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصّالحات ودّا ؛ أي محبة في قلوب عباده . وقد صرّح في موضع آخر بدخول نبيّه موسى عليه وعلى نبيّنا والسّلام في هذا العموم ، وذلك في قوله
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
الآية . وفي حديث أبي هريرة المتّفق عليه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « إنّ اللّه إذا أحبّ عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إنّي أحبّ فلانا فأحبّه ؛ قال : فيحبّه جبريل ، ثمّ ينادي في أهل السّماء إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبوه ، قال : فيحبّه أهل السّماء ، ثمّ يوضع له القبول في الأرض . وإنّ اللّه إذا أبغض عبدا دعا جبريل ، فقال يا جبريل إنّي أبغض فلانا فأبغضه ، قال : فيبغضه جبريل ثمّ ينادي في أهل السّماء إنّ اللّه يبغض فلانا فأبغضوه ، قال : فيبغضه أهل السّماء ، ثمّ يوضع له البغضاء في الأرض » « 1 » ا ه . قوله تعالى :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 )
[ 97 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه إنّما يسّر هذا القرآن بلسان هذا النّبيّ العربيّ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7484 .