جَهَنَّمَ وِرْداً
( 86 ) [ مريم : 85 - 86 ] وعليه فالاستثناء في قوله
إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
( 87 ) : متصّل . و
مَنِ
من بدل من الواو في « لا يملكون » أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلّا من اتّخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون . والعهد : العمل الصّالح .
والقول بأنّه لا إله إلا اللّه وغيره من الأقوال يدخل في ذلك ؛ أي إلّا المؤمنون فإنّهم يشفع بعضهم في بعض ، كما قال تعالى :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
( 109 ) [ طه : 109 ] . وقد بيّن تعالى في مواضع أخر : أنّ المعبودات الّتي يعبدونها من دون اللّه لا تملك الشّفاعة ، وأنّ من شهد بالحقّ يملكها بإذن اللّه له في ذلك ، وهو قوله تعالى :
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ
[ الزخرف : 86 ] الآية :
أي لكن من شهد بالحقّ يشفع بإذن اللّه له في ذلك . وقال تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ
[ الروم : 30 - 31 ] الآية ، وقال تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ
[ يونس : 18 ] الآية . والأحاديث في الشّفاعة وأنواعها كثيرة معروفة . والعلم عند اللّه تعالى .
وفي إعراب جملة
لا يَمْلِكُونَ
وجهان : الأوّل - أنّها حاليّة ؛ أي نسوق المجرمين إلى جهنّم في حال كونهم لا يملكون الشّفاعة . أو نحشر المتّقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشّفاعة إلّا من اتّخذ منهم عند الرّحمن عهدا . والثّاني - أنها مستأنفة للإخبار ، حكاه أبو حيّان في البحر . ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية : أنّه المحافظة على الصّلوات الخمس ، واستدلّ من قال ذلك بحديث عبادة بن الصّامت الّذي قدّمنا الكلام على قوله تعالى
* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
[ مريم : 59 ] الآية .
وقال بعضهم : العهد المذكور : هو أن يقول العبد كلّ صباح ومساء ؛ اللّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، فلا تكلني إلى نفسي ؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقرّبني من الشّرّ ، وإنّي لا أثق إلّا برحمتك . فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة ؛ إنّك لا تخلف الميعاد . فإذا قال ذلك طبع اللّه عليها طابعا ووضعها تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم عند اللّه عهد ؟ فيقوم فيدخل الجنّة - انتهى . ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعا عن ابن مسعود . وذكر صاحب الدّرّ المنثور أنّه أخرجه ابن أبي شيبة « 1 » ، وابن أبي حاتم ، والطّبراني « 2 » ، والحاكم « 3 » وصحّحه ،
هامش
( 1 ) المصنف ، كتاب الدعاء حديث 9575 .
( 2 ) المعجم الكبير ، مسند عبد اللّه بن مسعود حديث 8918 .
( 3 ) المستدرك ، كتاب التفسير 2 / 377 ، 378 .