كلّ خطوة منها مدّ البصر ، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم في دنس ، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا ، وتجري عليهم نضرة النّعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنّة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذّهب ؛ فيضربون بالحلقة على الصّفحة فيسمع لها طنين يا علي ؛ فيبلغ كل حوراء أنّ زوجها قد أقبل فتبعث قيّمها ليفتح له فإذا رآه خرّ له ( قال سلمة : أراه قال ساجدا ) فيقول ارفع رأسك فإنّما أنا قيّمك وكّلت بأمرك ، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدّرّ والياقوت حتى تعتنقه . . » « 1 » إلى آخر الحديث بطوله .
وفي آخر السّياق : هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا . وقد رويناه في المقدّمات من كلام علي رضي اللّه عنه ، وهو أشبه بالصّحّة . واللّه أعلم ا ه . وركوبهم المذكور إنّما يكون من المحشر إلى الجنّة ، أمّا من القبر فالظّاهر أنّهم يحشرون مشاة ؛ بدليل حديث ابن عبّاس الدّالّ على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلا « 2 » . هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي . واللّه تعالى أعلم .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
( 86 ) السّوق معروف .
والمجرمون : جمع تصحيح للمجرم ، وهو اسم فاعل الإجرام . والإجرام : ارتكاب الجريمة ، وهي الذّنب الّذي يستحقّ صاحبه به النّكال والعذاب . ولم يأت الإجرام في القرآن إلّا من أجرم الرّباعي على وزن أفعل . ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثّلاثي فتقول : جرم يجرم كضرب يضرب ؛ والفاعل منه جارم ، والمفعول مجروم ، كما هو ظاهر ، ومنه قول عمرو بن البراقة النّهمي :
وننصر مولانا ونعلم أنّه * كما النّاس مجروم عليه وجارم
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وِرْداً
أي عطاشا . وأصل الورد : الإتيان إلى الماء ، ولمّا كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلّا من العطش أطلق هنا اسم الورد على الجماعة العطاش ، أعاذنا اللّه والمسلمين من العطش في الآخرة والدّنيا . ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الرّاجز يخاطب ناقته :
ردي ردي ورد قطاة صما * كدرية أعجبها برد الما
واختلف العلماء في العامل النّاصب لقوله
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ
فقيل منصوب ب
يَمْلِكُونَ
[ مريم : 87 ] بعده ؛ أي لا يملكون الشّفاعة يوم نحشر المتّقين . واختاره أبو حيّان في البحر . وقيل : منصوب ب « اذكر » أو احذر مقدّرا . وفيه أقوال غير ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 / 539 ، 540 ، 541 .
( 2 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الرقاق حديث 6524 ، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 57 .